التشكيلي موفق مكي: علاقة السلطة بالفن شائكة.. وأراهن على استفزاز طاقات المجتمع

282

علاء حميد /

يعمل النحات موفق مكي على جعل الفن معبِّرا عمّا يواجه المجتمع العراقي من أزمات، ولهذا هو يعمل دائما على إنتاج أعمال نحتية ورسم ترتبط بها، فمنذ أزمة اجتياح داعش2014-2017 للمدن العراقية، وهو منكب منذ مدة على تقديم عدد من الأعمال الفنية التي تعبّر عن مشاركته بالتصدي لما قام به داعش.
ولذلك جاء اختياره لنحت تمثال الشهيدة أمية جبارة، لكونه يحمل خصوصية المكان الذي واجهت فيه داعش، حين اجتاح مدينتها “العلم” في تكريت، حيث تصدَّت الشهيدة جبارة لمطلب داعش بتسليم من كان موجودا من الجنود الذين كانوا يدافعون عن المدينة في مقابل الإفراج عن أقاربها المأخوذين من قبل داعش، يعلّق النحات مكي على أهمية نحت تمثال جبارة لأنّها خالفت كل التوقعات الاجتماعية كونها امرأة وما زاد من أهميتها صلابة موقفها على الرغم من وحشية داعش آنذاك. يعمل مكي على خطوات إشهار تمثال جبارة، إما في بغداد أو في مدينتها تكريت التي قاتلتْ فيها، ولهذا سعى الى الاتصال بأخوة جبارة والتواصل معهم وعرض أحد إخوتها المساهمة بجزء من تكاليف العمل، ولكن ما زالت هذه العملية تحتاج إلى كثير من الخطوات لكي يصل التمثال إلى صيغته النهائية، إذ يشير النحات مكي إلى صعوبة الحفاظ على مادة التمثال، فمادته الأولية من الطين الذي يتطلب إدامة مستمرة، مع كل هذه الصعوبات الفنية يؤكد أنَّه يؤمن أن للفن وظيفة جمالية واجتماعية ترسّخ حضور الحدث الذي يعزّز ذاكرة المجتمع تجاه ما يمرّ به من أزمات ومحن يحتاج لتذكًّرها لكي تخلق عنده مناعة ضدّ تكرارها. لم يكتفِ مكي بما قامت به جبارة في معركة التصدي لداعش، اذ انتبه إلى مكانة عائلتها ودورها في مجابهة الإرهاب بمدينتهم، إذ استشهد زوجها وهو يقاتل القاعدة، وهذا لم يمنعها من القيام بالدورنفسه في مقارعة داعش، يلاحظ مكي أن إبراز الشهيدة أمية جبارة يعضّد معنى حضور الأمة التي ترفض الخضوع لما تواجه من محن، يحلّل هذا التداخل بين رمز المرأة فنيا في كونها حاملة قيم المجتمع وتقاليده والتعبير عن ذلك كلّه في نصب نحتي يكرّس دلالة هذا الرمز في ثقافة العراقيين، وعلى الرغم مما يحتاجه النحت من إبداع وخيال، فالنحت بالأساس استجابة داخلية تنطلق في عملية إنتاج وتشكيل تستلزم وقتاً بخلاف بقية الفنون مثل الأدب والشعر، لأنَّ النحت يحتاج إلى إنموذج يبدأ منه.
وهنا سألنا مكي عن مصير الإنتاج الفني “النحت، الرسم” فهو يتطلّب بشكل واضح عملية إشهار وعرض أمام المجتمع لكي يحقّق وظيفته الفنية والاجتماعية ولا يبقى إنتاجاً فردياً، فردّ قائلا: مع وجود المعارض والقاعات الفنية عندنا الا أنَّها ما زالت لا تمتلك قدرة استيعاب ما يقدّمه النحاتون والرسامون، وهنا علينا أن نربط بين المادي “قاعات، ومسارح، ومكتبات، ودور عرض فني وأدبي”؛ والمعنوي “إبداع الفنان وقدرته على التشكيل والصياغة”، يشير مكي إلى أنَّ العلاقة بين الطرفين يشوبها كثير من الخلل عندنا، وهذا الخلل يدفعنا نحو التساؤل عن علاقة المجتمع بالفن بعد أي تغيّر يحصل فيه؟ وهنا يبرز دور السلطة بما تمتلك من قدرات مادية تُمكِّنها من مواكبة الجانب المعنوي الابداعي عند الفنان، إن قضية علاقة السلطة بالفن شائكة ومعقدة لأسباب عديدة؛ منها مكانة السلطة عند المجتمع وعمل السلطة على جعل المنتج الفني معبِّراً عنها وهذا العامل يضع العمل الفني في صلاحية مؤقتة لا تدوم إلى وقت طويل، لأنَّ السلطة متغيرة، فعلى الرغم من صعوبة هذا الجانب فإنَّ مكي يراهن على استفزاز طاقات المجتمع وقواه التي تفهم أهمية الفن ونتاجاته. وحين سألنا مكي: على ماذا يراهن في إنجاز عمله الفني؟ ردَّ بالقول: لا خيار لديّ سوى انتظار استجابة وزارة ثقافة في رعاية هذا العمل الفني، كما أنَّني ما زلت اتواصل مع إخوة الشهيدة أمية جبارة بشأن إمكانية الاعتماد على الإمكانات الذاتية من أجل الانتهاء من خطوات هذا العمل الفني، الذي يمثّل ذاكرة حدث شغل العراق مدة ثلاث سنوات، ولذلك ركّزت في صياغة هذا التمثال على ملامح الوجه الذي يشير إلى وجه العراق وثقافته، وهذا الأسلوب حرصت عليه كثيرا في أغلب أعمالي الفنية، إذ رصدت عوامل الديمومة في ذهنية المتلقي العراقي التي استمدّها من التاريخ والبيئة العراقية، وهنا نحتاج في أعمالنا الفنية إلى استحضار السمات الثقافية والاجتماعية التي تحمل الخصوصية العراقية، ولذلك حين تتطلع إلى منجزي الفني تلمس هذه الخصوصية وحضورها.