الحدائق بوصفها أعمالاً إبداعية

160

زياد جسام /

أروع ما منحته الطبيعة من تعابير الجمال انعكس في النباتات المتنوعة والزهور الملونة والأشجار بأوراقها المختلفة، التي تنمو بشكل عفوي. أما عندما يكرِّس الإنسان لها العناية والاهتمام، فقد يكون الأمر مختلفاً، حين ينشئ مجاميع النباتات وينسقها بشكل فني يجعلها ذات منظر جميل، مضيفاً إليها بعض العناصر الطبيعية الأخرى كالحجر والماء وأشياءً أخرى.
إذا ما توفرت البيئة لكل الأفراد في توظيف مهاراتهم ووجدوا التشجيع، سواء أكان ذلك بطريقة مادية أم معنوية، فالمؤكد أن ذلك سيدفعهم إلى اكتشافات وإنجازات واختراعات ذات إبداع عالٍ يفوق الخيال أحياناً، ولاسيما في عصرنا هذا. فالتطور الحاصل يحتّم علينا أن نشغّل عقولنا جدياً في تطوير قدراتنا الإبداعية في جميع مجالات الحياة.
تنسيق الحدائق بصورة عامة، كترتيب الأزهار والنباتات والأشجار ترتيباً متناسقاً مرضياً لجميع الأذواق، منظر يمنح المشاهد راحة نفسية ومتعة بصرية، بحيث أصبحت الحدائق هي المكان الذي يلجأ إليه الإنسان عندما يحتاج إلى الراحة، ولاسيما بعد توسع المدن وانتشار الأبنية، وعدم قدرة الإنسان على التفاعل مع الطبيعة كالسابق.
في الفترة الأخيرة أصبح تنسيق الحدائق فناً معترفاً به أضيف إلى بقية الفنون المعروفة، هو يجمع بين النحت وعلم الزراعة، وأحد فروع الفنون الجميلة كغيره من الفنون. يقوم هذا النوع من الإبداع على أسس وقواعد خاصة، فتنسيق الحديقة يحتاج إلى معرفة بالنباتات والأزهار وخصائصها ومتطلباتها، علماً أن هذا النوع من الإبداع يحتاج إلى العناية الدائمة، فالنباتات تنمو بشكل مستمر، كما تتطلب الخيال الواسع المبني على المعرفة بالطبيعة، بحيث يمكننا الإبداع والمعرفة المسبقة لما ستكون عليه هذه المنحوتات بعد نمو نباتاتها، كذلك تحديد أشكالها وجمالها المتكامل. إن التغيير السريع الذي يشهده العصر الحاضر، ما هو إلا مقدمة لتطور شامل في كل مفاصل الحياة، فقد تداخلت العقول والتكنلوجيا تاركة للإنسان الأعمال الابتكارية والإبداعية، وهذا ما جعل الأشخاص ذوي التفكير السليم والمبدع يتعاملون مع علوم المستقبل واكتشافاته وإبداعاته.
الكثير من بلدان العالم اهتمت بهذا النوع من الفنون، وما تطمح إليه في عصرنا الحاضر أن تجعل التفكير الإبداعي مطلباً عاماً لا خاصاً، بحيث يشارك فيه الجميع، لا النخبة فحسب، وليس في مجال واحد، وإنما في مختلف المجالات، بعد أن أدركت هذه الدول مبكراً أن الفكر الإبداعي لا يمكن أن يحدد في عمل معين، وهذه الفرضية مبنية على أن الفكر هو القدرة على إنتاج شيء جديد، أو بمعنى آخر قد يؤدي هذا العقل المبدع إلى التغيير نحو الأفضل، وينفي الأفكار التقليدية التي كانت مقبولة سابقاً.
المبدعون المتخصصون في مجال الزراعة يرون أنهم قادرون على ابتكار أشياء جديد في عالم الزراعة، لذا قدموا تجاربهم التي عُدت ابتكارات جديدة لم يفكر فيها أحد من قبل، ووجدوا البيئة التي تحدثنا عنها سلفاً، والدعم والتشجيع، وقاموا بصنع حدائق تحاكي اللوحات الفنية، منها الملونة بمساحات وزخارف وتقطيع إبداعي تعبيري، وأخرى على شكل مجسمات ثلاثية الأبعاد وبأحجام كبيرة، نافسوا بها النحاتين بكل جدارة. كما أن هناك من ابتكر حدائق تنمو على الجدران، بطريقة أقرب إلى الرسم بالنباتات الملونة الطبيعية. لقد أصبحت هذه التجارب مميزة لكونها حملت بصمات خاصة لهذا المبدع، علماً أن المتخصصين بهذا النوع الإبداعي لديهم خبرة علمية في التعامل مع الخامات المستعملة كأنواع النباتات والتحكم فيها من ناحية سرعة النمو أو التلاعب بصبغاتها، وهم بذلك تجاوزوا السائد ليجذروا مفهوماً جديداً لجمال الطبيعة والتواصل معها، وقد تحولت الكثير من المساحات في أوروبا إلى قطع فنية طبيعية تسحر الجميع.
هناك الكثير من الفنانين الذين تميزت أعمالهم بأنها تعتمد على الخامات الطبيعية القابلة للنمو، من أشهر الفنانين الذين اشتغلوا على النباتات هو الفنان والمهندس الزراعي (باتريك بلان)، فهو العارف بأسرار النباتات وطبائعها وأمزجتها، إذ بدأ مشواره مع الطبيعة والحياة في سن مبكرة، واستطاع بمثابرته أن يبني له عالماً خاصاً لا شبيه له، ليصبح واحداً من أشهر علماء النباتات في العالم، فقد استطاع أن يحول الكثير من واجهات المباني، في بلده فرنسا وبعض البلدان الأخرى، إلى حدائق معلقة تمنحها مظهراً بهيجاً يعطي المتلقي مساحات من الحلم والخيال.
ينطلق عمل باتريك بلان من حقائق علمية تؤكد أن الكثير من النباتات تعيش وتنمو من دون تربة، فجذور النباتات تبحث في الأرض عن المياه فقط، أما العناصر الأخرى التي تحتاجها في حياتها مثل السكر والبروتينات فإن أوراقها كفيلة بإنتاجها. لهذا فليس من الخطأ أن نصف هذه التجربة الإبداعية بالمدرسة الجديدة في الفن، ولاسيما أن هناك من تأثر بها ووصلت إلى العديد من بلدان العالم وبعض البلدان العربية، فأصبحت واجهات البنايات خضراء طبيعية وكأنها حدائق جدارية تنمو بشكل جميل يلفت الأنظار ويمنح المشاهد راحة نفسية.