الخاكية من أوراق الجريمة الثقافية في العراق

100

علاء حميد إدريس /

يأخذنا كتاب عباس خضر “الخاكية.. من أوراق الجريمة الثقافية في العراق” الصادر عن دار الجمل، إلى مرحلة نكاد ننسى ما جرى فيها، ولذلك يشير خضر إلى أن هذا الكتاب يرصد الأدب الذي ولد من الحرب، إذ وقعت حينها نصوصه تحت هيمنة المؤسسات الرسمية من حزب وسلطة.
ما الخاكية؟
لا يستقيم فهم مرامي الكتاب دون الوقوف على معنى الخاكية ودلالتها في الأدب والثقافة، ولهذا يعرّف عباس خضر الخاكية بأنَّها الوعي المولود في البلاد العربية والمتضخم في الحياة الثقافية، الذي تغذيه حروب كثيرة ومؤسسات سلطة قمعية، وقد أصبح يشكل بدوره سلطة ثقافية متنفذة عسكرية (خاكية) أو زيتونية (بوليسية) تشابه السلطة الأكبر، في ترجمته لمقولاتها، واتباع نموذجها.
إن استيعاب معنى الخاكية، يدفعنا نحو تأمل المكتوب والمنشور طوال سنوات الحرب والحصار لكي نصل إلى معاينة فعل الخاكية الذي انغرس في تصورات الشعراء والأدباء، ولهذا ينظر خضر إلى الفعل الخاكي على أنه لا يقبل كثيراً أي فعل آخر، لقد جاء أصلا من رحم الحرب أو المؤسسة والسلطة، وهو ممثل أدبي للنظرية والأوامر العليا للمؤسسة.
إن هذا التوصيف للفعل الخاكي يحددنا بمراجعة زمن إنتاجه عبر نصوص وقصائد وكتابات كانت تنحاز لجهة السلطة وتنغمس في مواقفها ورؤيتها بإزاء تقبُّل هيمنة السلطة على المجتمع، للتحول إلى مبرر أدبي وأخلاقي لفعل سياسي، وهذا يكشف التلازم بين معرفة ما قامت به السلطة منذ 1980 حتى 2003 وقراءة تلك النصوص وتحليل مبانيها، وكأننا نشهد نوعاً من التساكن بين فعل السلطة وأدبها. لقد انتقل هذا التساكن بين الاثنين – السلطة والأدب – إلى مرحلة التماهي والاندماج بحيث باتت السلطة حاضرة في الأدب ومعانيه، وهي حاكمة وموجهة لإنتاجه، إننا نلتمس منجزاً أدبياً وشعرياً لا يخرج عن توصيف أدب الخاكية، أمسى يشكّل قاموس كلماته عبر مرحلة امتدت منذ 1980 حتى 2003، لقد استطاع الفعل الخاكي أن يؤثر في مضمون الثقافة وسلوك من يعبّرون عنها.
الحرب والخاكية: حتمية الخراب
ظل الصراع حاضراً في تاريخ العراق منذ نشوئه ككيان سياسي عام 1921 حتى اليوم، ومع أن الصراع سياق طبيعي لبناء الدولة والمجتمع ولكن المفارقة تنبع من ديمومة الصراع وعدم قدرة الدولة على التعامل معه واحتوائه ضمن مؤسسات وقوانين تنظمه وتخفف من آثاره في الحياة العامة. يؤشر عباس خضر في كتابه إلى تحول الصراع إلى حاضنة دائمة لحياة العراقيين التي جعلت قتل الآخر انتصاراً وطنياً وموته شهادة وطنية للجانب الآخر، بالتبادل. وربما ” الحروب ” هي أكثر الأدلة سطوعاً على عدم صحة تصور تشارلز داروين عن الأصل البشري، فالبشر هنا ليسوا ارتقاءً طبيعياً للقردة، بل انتكاس للقردة في التحول إلى قردة مسلحة في حروب، فالحروب التي بلا قيمة تنتج حتماً فرداً مشوهاً كلياً، تكرار الحرب وتشربها في معاني الحياة العراقية أوجدت ” قوة عمياء” داخل الشخصية العراقية، مصطلح القوة استعاره عباس خضر من الفيلسوف الفرنسي الآن إميل شارتييه الذي يرى أن المجتمع وتمثله بفكر جماعي آيديولوجي هو دائماً قمع وقهر، وهو أعمى دائماً، ينتج بصفة دائمة ومستمرة الحروب والشعوذة بطبيعته الخاصة، تحركه بالضرورة قوة عمياء، وتنتج قراراته، وربما انطلاقاً من القوة العمياء التي تسيّر المجتمع وأفراده يمكننا القول إن الخراب والعمى هما ثمار لبذرة الحرب يمثلهما أدب الخاكية وفعلها، لقد استطاعت الخاكية محاكاة الحرب وأفعالها بنقل تمثلات الحرب إلى داخل المجتمع ومثقفيه وجعلتهم ينصاعون لما تريد من فعل وممارسة، ولذلك حين نتساءل: هل كان لازماً على المثقف ارتداء الخاكي؟ لا نجد سوى الوقوع في ثنائية الضحية – الجلاد التي تتطور لتصل إلى التماهي بين الطرفين دون التمييز بينهما، سيّرت الخاكية حياة الناس وأوقعتهم في شراك التناقض الغريب في أنهم كانوا مسلوبي الإرادة بإرادتهم، وكأنه الخوف من المسؤولية وشجاعة الاختيار.
يحيل عباس خضر أسباب هذا الخوف إلى مفهوم الطاعون الروحي للفيلسوف الالماني فيلهلم رايش، والطاعون الروحي مرض اجتماعي سياسي، يصيب السلطة ومثقفيها وأفرادها الصغار، بحيث يشكّل الطاعون عائقاً أمام أي تقدم، إضافة لمنعه أي عضو فعال في المجتمع من العمل الخلاق ويسعى إلى إلغائه.
الخاكية وميراثها: الماضي والحاضر
امتد وجود الخاكية إلى أغلب مناحي الحياة الاجتماعية من قيم وسلوك وتقاليد، فضلاً عن ذلك تغلغلت في مفردات الخطاب اليومي للأفراد واعتيد عليها تدريجياً، ما خلصها من عائق الغرابة والاستجهان للمفردات التي لا تتسق مع قيم المجتمع وعاداته، ولهذا نتساءل هل انتهى فعل الخاكية بعد 2003، أم إننا ما زلنا نعيش آثارها في خطابنا وسلوكنا بعد الخلاص من الاستبداد؟. في مراحل الانتقال السياسي من نظام مغلق ومستبد إلى نظام مفتوح وديمقراطي يرصد الباحثون في هذا الانتقال مؤشرات كثيرة ولكن يأتي في مقدمتها النظام التربوي وصياغة التاريخ بعد التغيير، فالنظام التربوي يعبّر عن رؤية النظام الجديد وعن نظرته إلى المجتمع وثقافته، وأما ما يخص التاريخ فإنَّه يمثّل الذاكرة وطريقة التعامل مع الماضي. إن طغيان الحرب على الماضي والحاضر العراقي أمسى الإطار العام الذي يستدرج العراقيين ويوجّه سلوكهم، إذ حين تغوص في أعماق الحياة الاجتماعية وما يدور فيها من صراع تشعر أنها قائمة على حرب دائمة، ولذلك كانت الحرب صخرة البداية لكل ما لحقها من خراب، فبها كُرِسَّت مفاهيم السلطة ومُجدِّت علناً، وأُعلنت قيامة “القائد الأوحد ووطن القائد في الحياة المدنية والعسكرية”، وأصبح الوطن في صورة “ثكنة عسكرية كبيرة” وفيها فتحت، كما هي العادة في كل سلطة شمولية، بوابات الدم على أوسع مصاريعها داخل المجتمع العراقي، بالإعدامات في الساحات العامة، وتهديم بيوت المعارضين للحرب والسلطة، وجر الآلاف إلى المعتقلات، ثم تهجير العراقيين بحجة الأصل “غير العراقي”، إنه الخراب ثمرة الخاكية التي شوهت الذات والشخصية، ولعلنا حتى يومنا هذا لا ندري ما العمل من أجل الخلاص من الخاكية ومنتجاتها، الأدهى أننا أخذنا ننتج ما يشبه الخاكية في المعنى ويختلف معها في الشكل، كأننا في دوامة أبدية من تكرار ثنائية الضحية والجلاد، وقد يكون الحل في البحث عن إمكانية التفريق بينهما من أجل فهم تكوّن كل واحد منهما في الحياة العراقيين، وإلا فإن عدم القدرة على التفريق يعد فشلاً يعيدنا إلى مستعمرة العقاب والاستبداد، التي هي كامنة في سلوكنا وانحيازاتنا.