الدكتور خزعل الماجدي:العراق كان منتجاً للأديان والحضارات

378

 خضير الزيدي/

يكتسب الحوار مع الدكتور خزعل الماجدي، المتخصص بعلم وتاريخ الحضارات والأديان القديمة، أهمية لما يقدمه من التفاصيل والمعلومات عن أساطير الشرق القديم ودياناته المتنوعة. وإذا كانت حصيلة جهده الفكري أكثر من أربعين كتاباً تتطرق إلى المعتقدات والميثلوجيا وبيان أهمية الحلقة المفقودة بين أديان التعدد والتوحيد، فإن بحوثه اليوم تكشف لنا عن أستاذ متنوع الثقافات تخبرنا مؤلفاته بأنه منتج لمعرفة نحتاجها جميعا وما زال يقدم لنا تصوراً وكشفاً تاريخياً يشير لقيم تاريخنا العريق.

في هذا الحوار يفتح الماجدي خزائن ثقافته لـ “الشبكة العراقية” لنتابع معه آثار الإبداع الإنساني القديم:

الديانة السومرية

* أكثر من قوم مارسوا التعبّد ولهم طقوس مختلفة، ما هي أقدم ديانات الشرق القديم؟

– أقدم ديانات الشرق والعالم القديم هي الديانة السومرية، وهي الإنجاز النوعي الذي تحقق بعد ظهور سلسلة من المكونات الأساسية والثانوية للدين في عصور ما قبل التاريخ في وادي الرافدين تحديداً، فقد ظهر الدين، بالمعنى الإصطلاحي العميق، منذ عصر النيوليت (العصر الحجري القديم ) في حدود 8000 ق.م، ثم تواترت المكونات والتحولات لغاية ما يقرب من 3000 ق.م، فكانت سومر هي مسرح أول ديانة متكاملة ذات نظام روحي متكامل وذات أنظمة كهنوتية ومؤسسات دينية كاملة، وكانت لها نصوص وأساطير وطقوس وغيرها.

* دعني أتساءل هنا، ما المؤتلف والمختلف في ديانات الشرق القديم؟

– الشرق القديم غير متجانس أساساً في تكوينه الحضاري، فهناك حضارات الشرق الأدنى والتي كان قلبها النابض وادي الرافدين وهي حضارات بنيت على أساس تعدد الآلهة ثم التوحيد، وهناك حضارات الشرق الأقصى وكانت الهند قلبها النابض، وقد بنيت على أساس وحدة الوجود. والنزعتان مختلفتان، ففي تعدد الآلهة ينشغل المتعبد بالعالم الميتافيزيقي، وفي وحدة الوجود ينشغل المتعبد بروح الإنسان وبالتصوف وبالنظام الأخلاقي للدين. وهناك تدرجات مختلفة في هذين الحقلين، وقد تبادلا طاقتيهما وتأثر كل منهما بالآخر، فقد ظهرت النزعات الصوفية والروحية في أديان الشرق الأدنى لاحقاً، وكذلك ظهرت نزعات تعدد الآلهة والتوحيد في أديان الشرق الأقصى لاحقاً. وقد جاء ذلك بسبب الاختلاط الحضاري بينهما وتبادل الثقافات. المؤتلف في ديانات الشرق هو أنها قامت على أساس فصل المقدس عن المدنس، وأنها بحثت عن الله في السماء وفي أعماق النفس البشرية وبأنها استخدمت الدين كطريقة للاستبداد والحكم وعبودية الناس.

* هل لك أن ترشدنا إلى أهمية التقارب والتداخل بين الأساطير وفكرتها مع جوانب الديانات القديمة؟

– الأسطورة هي حكاية عن إله، فالأساطير هي قصص الآلهة وليست قصص البشر، ولذلك تراها تتحدث عن تاريخٍ مقدس بدئي لا نعرف عنه شيئاً، لكنها تنقل تشوقات الإنسان (الذي كتبها ) لعالم طُهري أبديّ نقيّ. الأساطير تتشابه من حيث الجوهر لكن التفاصيل مختلفة ثقافياً حسب المكان الذي نشأت منه. كانت الأساطير في العالم القديم بمثابة الكتب المقدسة في العصر الوسيط والحديث. بل أن الكتب المقدسة الحالية هي امتداد لهذه الأساطير مع اهتمام أكبر بالعقائد.. وهذا الرأي يتفق عليه الباحثون في مجال علم الأديان. الأديان الحالية تسخّف الأساطير وتستنكرها وهي مليئة بها، وقد قذفت بها الأديان القديمة التي كانت تعتمد على نصوص الأساطير في تبسيط عقائدها.
تداخلٌ وتناصّ

* هل فعلاً نشأ تداخل مقصود بين نص التوراة وملاحم العراق القديم.. أين نجد ذلك التداخل وما رأيك في المكتشفات العلمية والتاريخية للألواح والرقم الطينية في إثبات صحته؟

– التداخل أو التناص كبير جداً بين نصوص التوراة ونصوص وادي الرافدين لدرجة يمكن القول معها أن أغلب الأدب المؤسس للتوراة هو رافديني بالدرجة الأساس.. وقد أشبع هذا الموضوع بحثاً وتحليلاً كل علماء الأديان المقارنة وأصبح من البديهيات، فإذا علمنا أن نصوص التوراة هي أساس المسيحية والإسلام أيضاً فبذلك تكون أساطير ونصوص الرافدين هي أساس الأديان الموحدة كلّها بضمنها المندائية التي سبقت التوراة. سأذكر لك بعض هذه الأساطير والنصوص (الخليقة، آدم وحواء، قابيل وهابيل، نوح والطوفان، طفولة موسى وسرجون الأكدي، غزليات دموزي وإنانا ونشيد الإنشاد لسليمان، سفر الجامعة، المزامير، وغيرها الكثير من التفاصيل الدقيقة).

* طيب إذا أردنا أن نقارن بين ديانات الشرق القديم وخاصة الديانات العراقية والمصرية.. أين نجد المشتركات بينهما وما الاختلاف بينهما؟
– الديانات الرافدينية (السومرية والأكدية والبابلية والآشورية والآرامية) تختلف عن الديانة المصرية في أمور كثيرة جداً فالأساطير مختلفة ماعدا بعض اللقاءات بين أساطير تموز وأوزريس، والآخرويات (الإسكاتولوجيا) مختلفة كليّا. فبينما لا يؤمن العراقيون القدماء بالحساب والعقاب والثواب بالمعنى الديني ولا بالجنة والنار، فإننا نجد هذا في الدين المصري مع خرائط باذخة للآخرة والجنة والنار وغيرها. وتختلف الطقوس والمعتقدات بدرجة أو بأخرى بينهما. والاختلافات بين هذين الدينين (الرافديني والمصري)، كلٌّ على حدةٍ، يختلف عن أديان الهند تماماً وعن أديان الصين وأميركا القديمة بل وأديان فارس، وهناك لقاءات واسعة بين أديان الرافدين وأديان بلاد الأناضول. مثلما هناك لقاءات بين أديان مصر وشمال أفريقيا. الأمر معقّد ولايحتاج أي تعميم، بل يحتاج إلى دراسات مقارنة متخصصة عميقة لكشف تطور هذه الأديان وتأثيرها على بعضها. وكما قلت لك فالفرق بين أديان الشرق الأدنى والأقصى هو في وحدة وتعدد الآلهة في الشرق الأدنى وفي وحدة الوجود في الشرق الأقصى والفرق كبير بينهما، حيث تكون الآلهة مفارقة للإنسان والوجود في حالة الشرق الأدنى، بينما تحلّ القوة الإلهية في الوجود والإنسان في حالة أديان الشرق الأقصى.

الأساطير والغيبيات

هل أفهم من كلامك بأن الأسطورة كذبة أنتجها عقل شعري يؤمن بالغيبيات.. لماذا لا نصدقها في العلم مع أنها راسخة في الوجدان والتاريخ؟

– العقل البشري لا يكذب على نفسه، لكنه تدرّج في تصور العالم والأشياء، وحين تطور الزمن كان كل تصور سابق يبدو كذباً لكنه كان في زمنه نوعاً من العلم. سأسوق لك مثلا مهماً: الإنسان ابتدأ بالسحر كنوع من العلم، وحينما جاءت الأديان رأت أن السحر عبارة عن خدعٍ وأكاذيب، ورأى العلم في السحر كعلم بدائي أو كاذب أو مقلوب. الأسطورة، التي هي جزء من الدين، بل والدين نفسه كان نوعاً من العلم لكشف حقيقة ما يجري، لكن العلم رأى أن فيهما خيالاً يتعلق بالنفس والعقل البشري وعجزهما يمكن أن يكون مبالغةً أو محاولة للتعويض.. وهكذا المسألة متعلقة بكيفية النظر للعالم فإذا نظرنا له كقوة يجب السيطرة عليها كان السحر، وإذا نظرنا له كقوة يجب الخضوع لها ظهر الدين، وإذا نظرنا له كقوة يجب استيعابها وتحليلها بالعقل ظهرت الفلسفة، واذا نظرنا له كقوة تسير بقوانين رياضية أو إحصائية أو تجريبية ظهر العلم وهكذا.

دعني أذهب معك إلى أمر آخر، أشرت ذات يوم إلى أن المندائية هي آخر الصفحات المشرقة لحضارة وادي الرافدين قبل الإسلام، لماذا تحصرها في هذه البقعة من الأرض (أقصد العراق) أليس الأجدر بها كديانة أن تتوسع وتمتد جذورها لبلدان أخرى؟

– المندائية ظهرت بشكلها المعروف في فترة احتلال فارس والإغريق للعراق القديم، برغم أن جذورها القديمة كانت قبل ذلك لكننا نجهل عنها كل شيء تقريباً في تلك العصور الموغلة في القدم، أي في عصور حضارات وادي الرافدين القوية. وفي فترة الاحتلال الفارسي توقف العراق عن انتاج حضارات متميزة وأصبح ينتج أدياناً وعقائدَ روحية كثيرة منها المندائية، ولم يكن بالإمكان نمو المندائية لأنها كانت، في البداية، ديانة خاصة برجال الدين فقط، أي أنها ديانة نخبوية وكانت تسمى (الناصورائية) وهي طبقة من رجال الدين العرّافين، وحين توسعت قليلاً وضمت المندائيين من غير رجال الدين اشترطت أن لا تكون تبشيرية، أي يجب توارثها بالدم والنسل، وهذا جعلها ديانة خاصة ومحتجبة وسريّة خوفاً من الديانات الكبرى المجلجلة والقادمة بعنف لكي تكسب الناس لها عن طريق التبشير أو الدعوة..