الرقمية في الأدب العربي.. امتداد لرهانات خلقت دينامية إبداعية

691

هدى الهرمي /

طُرح موضوع الرقمية في الأدب العربي على أكثر من مستوى وصار يضجّ بالتطلعات النقدية المتواردة، وذلك عبر سيرورة البحث في مُستجدات له. ومؤخّراً ازادن بالتقصّي والمتابعة عبر الملتقيات والمؤتمرات الدولية، التي تردد صداها في الكثير من المواقع عبر الصحافة المكتوبة والمنابر الإلكترونية، فهل يُعدّ هذا الوافد الرقمي امتداداً لرهانات خلقت دينامية إبداعية وبثتّ اولى إرهاصات النص الأدبي الرقمي بعد إدماج التطورات التكنولوجية الحديثة؟

لقد برزت في هذا المجال اسماء عربية متعددة ومرتبطة بالبحث في الرقمية والترابط النصّي ومدى ثيمته في هذه المرحلة بالذات، لكن تظل الكثير من الأوهام مترسبة خلال العقد الأخير من البحث في الأدب الرقمي خصوصاً في جنسه الشعري، وهذا ما اشار اليه د.عبد الفتاح شهيد عند تناوله للقصيدة العربية في أفقها الرقمي.

وفي هذا السياق يشير الى ظاهرة غريبة وهي ريادة النقد وسبقه على طريق “الإبداع الرقمي” في انتظار ان تكون للتجارب الإبداعية أبعاد جمالية للشعر الرقمي، ولعل تجربتي الروائي والشاعر الأردني محمد سناجلة والشاعر العراقي د. مشتاق عباس معن وغيرهما من رواد القصيدة الرقمية حجبتا نقاش الإشكالات الحقيقية بشأنها، وانشغال اصحابها بالريادة والأسبقية دون ان نغبط حقها من الإبداع والشعرية.

فصاحب رواية “صقيع”، وهي العمل الثالث السردي لسناجلة ضمّن فيه قصيدتين رقميتين، ويقول في هذا الشأن “انا سارد بالدرجة الأولى، لكني أردت أن أقدم نموذجاً وأفقاً آخر للكتابة الشعرية التي تغدو الكلمات فيها جزءاً فقط من بنية القصيدة.” وبقطع النظر عن مجهوده الإبداعي والمتواتر على مستوى الرواية فإنه اعتمد ملء فراغ خلفه توالي الشعراء حول قصائدهم الورقية او المرقمنة.

انها ستراتيجية ملء الفراغات والإبداع بالنيابة، ولكن يصعُب الحديث عن تجربة شعرية رقمية، بآفاق ابداعية وجمالية في مستوى تطلعات القراءة الواعية. فاغلب تجارب الجيل الجديد من الشعراء ترعرعت بين الحواسيب والهواتف الذكية والوسائط المتعددة من وسائل الاتصال الاجتماعي مثل الفيسبوك والتوتير واليوتيوب.
حيث أن الإبداع في الكتابة الرقمية يحتاج بالاضافة الى الموهبة الابداعية ومُواكبة المشهد الثقافي، الى ضبط التقنية والوعي بها والثقة في الآفاق التي تمنحها للمبدع والمُتلقي معا في علاقة جدلية.

ويتضمن النص الأدبي المخطوط و المطبوع معا، أولى إرهاصات الرواية الرقمية حسب الناقد والروائي شعيب حليفي، ذلك أن النص ينطوي، كما يرى، على آفاق تجريبية من حيث الشكل وتعدّد طرائق الكتابة والتلقي، كما أن (سرديات الحاسوب) حسب تعبير حليفي تُساعد الكتابة الروائية على إدماج التطورات الرقمية الراهنة وتُوسع دائرة التفاعل بين الكاتب والقارئ ومنها تتسع آفاق النص المترابط.

ويري الحليفي أن (الحوامل الرقمية) بدأت تساعد الرواية خصوصاً من مستوى التداول التقليدي الى مستوى التداول التفاعلي.

لكن اي مستقبل للثقافة الرقمية والأدبية في العصر المعلوماتي؟

صار الكثير يبحث عن الصيت المُدوي من خلال الاتجاه الى الوسيط الرقمي دون الالتفات الى مشروعية هذا البريق الإلكتروني في ظل تراكم كمّي ومفهومية خاصة لا تندرج في سياق معرفي مثلما هو رائج في المُنجز الغربي المُتقدم في هذا المجال.

فكيف يمكن أن ننهض بالنص الرقمي شعراً او سرداً دون انشغال بهمّ الريادة وعن قلق الإبداع، خصوصاً وأن الأغلبية ترى في هذه التقنية وسائط مُحايدة تُلهمها في تحقيق جماهيرية وشهرة وهمية. والواقع أن الجودة الأدبية لا تعني بالضرورة عدد القراءات مثلما هو سائد في وسائل الاتصال الاجتماعي بمعنى النقر او التعليقات وعدد التصفّح والمشاركات مع الأصدقاء والمجموعات الأدبية، ذلك أن اعتبارات كثيرة تحكم على هكذا تفاعل. فهذا المؤشر يتجاوز النقد الادبي المُتخصّص والمؤسسات الثقافية المُعترف بها.

إن المنطق الاستهلاكي في عصر معلوماتي مُتسارع في التعامل مع التقنية في ثقافتنا يظل يؤثر في نوعية الإبداع الرقمي خصوصاً في الشعر الذي بدوره في حاجة الى عمق معرفي وتدوين لغة مُتجذّرة بادئ الامر من الذاكرة والعقل وقاموس غير تقليدي، اضافة الى الطاقة الابداعية وذلك الثراء الجمالي الخصب.
وبناء على رأي د.عبد الفتاح شهيد، فالجماهيرية مطلب بعيد عن القصيدة العربية في إبدالها الرقمي في هذه المرحلة بالذات، وبعيداً عن الشروط المعرفية والجمالية والتقنية التي يجب أن تتوفر لها بصيغة نوعية.

وبالتالي يصعب فعلاً تقديم مفهوم مُحددّ للأدب الذي يعتمد على شبكة الإنترنت، ويتخذ من التكنولوجيا وسيلة للتواصل والانتشار.

هل يمكن اعتبار التجربة الإبداعية الرقمية أدبا كونياً لأنه وليد الفترة التي نعيشها والتي تسمى (ما بعد-بعد) الحداثة؟

لا يمكن أن ننكر أن الساحة الأدبية الرقمية العربية تشهد في الآونة الأخيرة حركة نشيطة، وهذا المُؤشر سيسهم في دينامية التنظير للأدب الرقمي، رغم الاختلاف في المفاهيم وذلك الشتات في التسمية: الأدب الالكتروني_ الأدب الرقمي_ الأدب الشبكي، وذلك في إطار فضاء تكنولوجي حديث سِمته الأساسية هي التنوع والتحوّل السريع. حيث أصبحت المعلومة وآليات تداولها ونشرها عبر الفضاء الأزرق، في مُتناول الجميع، عكس المُتداول عليه من خلال المنشورات الورقية، اضافة طبعاً الى سرعة التفاعل لدى المتلقي بشتى أنواعه.

ويشير الناقد شرف الدين مجدولين الى أن هناك آفاقاً واسعة للرواية العربية لتنتقل من الورقي الى الرقمي ومن الحسّي الى المفترض، لتصبح نصاً مكتوباً بالضياء بعد أن كان حبراً على الورق. وهذا يعني أن الكتابة الرقمية فتحت أمام الرواية العربية الثورة التقنية و التكولوجية.

وهنا يرصد الناقد “سعيد يقطين” خصوصيات الكتابتين، المطبوعة والرقمية، حيث يرى انه اذا لم تتم الإجابة عن سؤال كيفية دخول عصر الطباعة، لن يأتي فهم الانتقال الجاري الى العصر الرقمي.

وحسب المختصين لا يمكننا أن نعتبر الكتابة الرقمية في العالم العربي ضمن الأدب الكوني، او بالأحرى ضمن مصطلح “ادب الكوزمو” الذي طُرح مؤخراً من خلال ملتقيات دولية ويعني (النص بين التأصيل الكلاسيكي والتجريب الرقمي) وذلك لغياب الترجمة الى لغات اخرى وتحقيق العالمية.

فرغم أن وسائل الاتصال الاجتماعي قد منحت للأدب خطاباً عالمياً جديداً يجمع بين مختلف الشعوب خصوصاً في الوطن العربي لكن تنقصه المواصفات الرقمية، نظراً لأن الترجمة هي البوابة الأساسية والفاعلة لتحقيق “النظرة الكونية” للأدب وفي غيابها غياب للمشترك الإنساني بين الأمم.

وبالتالي فاللغة العربية في حاجة ماسة لاقتحام التقنية سواء بواسطة الشعر او السرد، لكن بثبات ووعي للتأقلم مع هذا الوافد الجديد و الانخراط في عوالمه الابداعية وتجاوز “المفهوم الاستهلاكي” والمعايير الوهمية، من اجل استغلال هذه الوسائط المعاصرة بجودة في هذا الكون الرقمي الفسيح.

ولنا أن نتساءل بعد أن يستوعب الفضاء الثقافي أبعاد الأدب الرقمي ومعطياته، هل يساهم هذا التحول على مستوى تحقيق الجودة للنص الأدبي في عصر العولمة؟