الرموزُ تكتبُ أسرَارها في “كراهية الكتابة”

342

عبد الرحمن الماجدي/

يختلي الشاعرُ في مساحة مزدحمة برائحة الحبر والقراطيس ولفائف متنوعة الاحجام لأعمال منجزة اجتهد المتصيدون في أمرين لا ثالث لهما إزاءها أما سرقتها تحت وابل من النهار أو ذمها وتجاهلها، فيما هو يواصل نحت صمته بعيداً عن الضجيج.
نتاجه الجديد بعد أكثر من عشرة سبقته من كتب مختلفة الأحجام، تدخل التشكيل في حومة الشعر، تكمن غرابة نتاجه في اسمه ومعناه (في كراهية الكتابة).
حين تقترب منه تلفحك ريح بلون الزعفران وطعم الليمون المشوي على نار الشتاء، فقد صنع ناصر مؤنس هذا لكتاب الذي لا يشبه الكتب من ورق وليمون ونار وزعفران، ليخرج كتاباً في كراهية الكتابة أو في مديح اللاكتابة، أو هو كتابة شاغرة كائنة في الذكرى وفي الآثار والرموز والحروف القديمة. كتابة تكتم سرها ولا تريد أن يطلع أحداً على أسرارها. كتابة تواصل مهمة صانعها حين يزف المعاني لخدور الكلمات في ثياب لا يراها الا من اطلع على سرها الدفين.
يبدأ الكتاب بعبارة منسوبة إلى (أبي سعيد الخدري): (استأذنَّا النبيَّ في الكتابة فأبى أن يأذنَ لنَا ).
وهناك عشرات الأقوال التي تذهب هذا المذهب منها قول سفيان الثوري (بئسَ المستودَعُ العِلْمِ القراطيسُ).
ورأى بن سيرين أن الكتاب المختوم في الحلم هو خبر مستور.
وعرف عن أن أكثر شعراء المعلقات من الأميين.
ربما هذا ما يفسر لنا أول كلمة تصدّر بها القرآن الكريم وخاطب بها نبيّه الأمي هي كلمة «اقرأ» وليس «اكتب».
ومن الناحية الدينية – منذ البداية – كانت الكتابة العربية مدعاة للعجب والتساؤلات، فهناك من رآها مرسلة من قبل الملائكة، وهناك من رآها مرسلة من قبل الشياطين.
وعرفنا في تراثنا الراوية ولم نعرف المؤلف، فالمؤلف القديم لم يكن هو (المؤلف – الكاتب) بالمعنى الذي نعرفه اليوم، بل كان أقرب إلى الشيخ أو ( الخطيب – الراوية ) الذي يقوم بإملاء كتابه وهناك من ينسخ ثم يجيز الشيخ أو لا يجيز هذه النسخة.
غير أن (كراهية الكتابة) ليست كما يفهم منها وفق تفسير سطحي كحث على الكسل. بل هي تأكيد لعشق لها. وشغف بها. وحفر في بواطن الكلام حتى الوصول لسر المعنى البعيد. فنحن إزاء كتاب عاشق للكتاب. كتاب لا ينتمي إلى الكتابة فقط بل يتعدى ذلك إلى صناعة الكتاب.
يعود ناصر مؤنس بهذا الكتاب، كما بقية كتبه، للطريقة الأولى في خلق الكتابة، حين ابتدأت بالرسم لنقش الكلام، لتتطور بعد ذلك الى رموز تدون على الرق والقصب والبردي وصولا للورق في بداية القرن الميلادي الثاني. وفي وقت تحضر فيه، بقسوة، ما بات يعرف اليوم بالكتابة الالكترونية التي تحث على إعدام الورق والقلم في التدوين وحتى في الرسم، يعيد ناصر مؤنس، جاهداً، بث الروح من جديد في ما نوغل في وأده وهو حي يرمقنا، بعين لا تنام، من بين ذرات التراب.
فهو يصر على تقديس البدائي في صناعته التي تبتكر بأدوات المطبخ وما تهمله العين، على قارعة اليوم، كتباً، تعيد للكتابة ألقها، وتسعى للتفرد بهالتها الجديدة بين العادي من الكتب الحديثة. فأحجام كتبه لا تخضع لقياسات المطابع ودور النشر. كي تمنح للكتاب احتراما ووقاراُ يستحقهما. فمنذ كتابه (البازبند) عام 1997 وقبله كتابي (هزائم) و (تعاويذ للأرواح الخربة) الذين أصدرهما عام 1995 بعد انتظار سنوات مع دور النشر العربية التي حسم ناصر مؤنس خياره معها في قدرة المؤلف على إصدار كتابه بنفسه وبطريقة تمنح الكتاب بهاءً يستحقه. فواصل مؤنس إصدار كتبه متعددة الأحجام وطرق العرض بعيداً عن الضوء خشية، وهو ما حصل، من سرقة يحبذها متطفلون على مشروعه عن بعد وعن قرب.
لكن في الإعلان عن النتاج تأكيدُ لأبوة مبتكره لمشروعه، وفضح لمن يتطفل بنسخ لن يخرج للنور كما الأصل. وربما كان في الزهد عن النور والاعلان عن المشروع حماية لمن يسعى للتطفل عليه. وإشراك للقارئ في قطاف متعة الانجاز المغاير.
كتاب في كراهية الكتابة، تلك التي لم تؤازر النسيان، فكم تكذب عندما تريد أن تكون يقظة، وفي الحقيقة أنها تغرق بالنعاس، سيئة النوايا وتقتسم مع الموت الكلام، لا تنتج العلم بل الرأي، لا ترسم الحقيقة بل المظهر، تسكن هاوية الصمت وبرّانية على القول، لا تقوي الذاكرة الحيّة وإنما الاستذكار.
هذا كتاب لن ينجو من الطعن ولن يفلت من النساخ
في مقدمة كتابه يقول: (الكتابة تفسد الكتاب هذا ما يقوله بياض للآخر
لم يقلقنِ في يوم من الأيام اختفاء الكلمات من كتاب، دائما كنت أفكر بأشكال لا حدود لها للكتاب، البياض لوحده كتاب، السواد كتاب، التلاشي، الرماد، النار، التراب، الماء، الأحلام، الجدران، الدمع، النقطة، والنسيان كتاب.
وكنت أرى أفعال الإنسان كلها كتبا، كتاب المشي، كتاب الأكل، كتاب النوم، كتاب الزواج، كتاب الحياة، كتاب الموت، كتاب الصمت، كتاب الفرح، كتاب الحرب، كتاب الهزيمة.
أفكر الآن بشركات الأزياء التي حاولت أن تقدم « الباهت» من الثياب وتروج لها كعلامة تجارية، هل علي أن أفكر بكتاب « باهت «، ربما، هذا هو حلمي بكتاب لا تتم زخرفته أو تزويقه بصور أو كلمات، انه حلم بالكتاب الأنقى، كتاب تغيب عنه الصور والكتابة، فلا نستطيع التعرف عليه، ننظر فيه بلا مبالاة وكأنه يذكرنا بشيء لا قيمة له.
ليس كتاباً لكنه يبدو لنا ككتاب، أو لنقل كتاب لا رغبة لديه لأن يصبح كتاباً، صورته ممسوحة وزاهدة كثياب المتصوفة، يتراءى في الأقاصي وفي الضباب، لا وضوح، لا خطوط، لا ظلال، لا كلمات، لا ألوان . وربما تتلاشى الكتابة، ربما، تختفي الكلمات من السطر المكتوب، قد تظهر قليلاً، ممحوة أو متداخلة، لا أحد يستطيع قراءة ما هو مكتوب، ثمة حروف فقط، لا وجود لكلمة، لا شيء غير الخطوط، ربما، هذا ليس كتاباً، انه فكرة لكتاب مصهور.
هل أسأل نفسي؟
إذ لم أدون أية كلمة، هل يحق لي أن اسمي كتابي كتاباً؟).
كتاب (في كراهية الكتابة) في (250) صفحة، وبقياس ( 40 في 30 سم ). صدر عن دار مخطوطات في هولندا.