الروائي علي عبد العال لـ (الشبكة): الحرية في أي مكان أسمى من الذل والعبودية داخل الأوطان

421

 كاظم غيلان /

لم يتحدث علي عبد العال، الروائي العراقي الذي غادر وطنه العراق قسراً حاله حال المئات من مثقفيه عقب الهجمة الشرسة التي تعرض لها اليسار العراقي أواخر تسعينات القرن الماضي، بلغة المغترب، إنما كان وطنه الأم حاضراً بقوة الواقع والمتخيل معاً عبر أعماله التي أصدرها هناك، وفي هذا الحوار يكشف عبد العال العديد من الجوانب التي تتعلق بتجربته في المنفى وتجربته الابداعية الشخصية:

*عشتم ثقافة المنفى.. وأنجزتم العديد من الإصدارات.. برأيك هل أسهمت تلك الثقافة بفضح نظام صدام الدكتاتوري وإدانته على مستوى المنجز الإبداعي؟

اللوحة البشعة

نعم استطاع الأديب العراقي المنفي عبر سلسلة من المعاناة المادية والمعنوية أن يكون حريصاً على فضح أساليب النظام الدكتاتوري القمعية وضيق أفق هذا النظام الذي كان يهرب من أزماته الداخلية المستفحلة بشن الحروب، وهي حروب بالوكالة، على دول الجوار ما أدى إلى إغراق العراق ببحر من الدماء. ولم يكن الأدباء العراقيون المنفيون بمنجى من ملاحقة النظام لهم عبر أجهزته القمعية التي تغدق الأموال الطائلة لتصفية هؤلاء المبدعين وهذا ما يجسد رعب النظام الدكتاتور من الأقلام الوطنية الحرة وريشة المبدعين الأحرار إضافة إلى السياسيين من قادة أحزاب وطنية يمارسون نشاطهم الوطني عبر المنافي.

نعم؛ استطاع المنجز الإبداعي العراقي بالمنفى من فضح النظام الدكتاتوري وأدواته القمعية عبر الصحافة والكتب والشعر والمسرح والفن التشكيلي، وهناك لائحة طويلة بهذا المنجز الكبير يمكننا الكلام عنها في الوقت المناسب. خلاصة القول إن الحرية في أي مكان هي أسمى من الذل والعبودية داخل الأوطان.

*كيف تعاملتم مع الإصدارات الأدبية التي كانت تنُجز داخل العراق؟ هل ثمة ما يمكن الإشارة بإيجابية لبعضها وفي مختلف أجناس الكتابة الإبداعية؟ وكيف تعاملتم بذات الوقت مع الإصدارات التي قدمت خدماتها لذلك النظام وقامت بتجميل صورته؟
افراغ المحتوى

-هذا سؤال مهم جدا، وهو ينطوي بالواقع على عدة أسئلة؛ حسنا، فيما يتعلق بالشق الأول من السؤال، وبلغة الأرقام غادر العراق نخبة من المثقفين والمبدعين في أعوام 1978 و 1979 وما قبلها وما تلاها من أعوام أكثر من خمسمئة مثقف ومبدع عراقي فيهم من العيار الثقيل، مثل الجواهري الكبير والشاعر الثوري الكبير مظفر النواب وعبد الوهاب البياتي والمفكر الكبير هادي العلوي، ناهيك عن شعراء أفذاذ طبعوا بصماتهم النقية والجميلة على ذائقة العراقيين كالشاعر الشهيد أبو سرحان وغيرهم الكثير من المبدعين العراقيين على صعيد اللحن والكلمات والمسرح والقصة والرواية والفن التشكيلي، وهنا لا ننسى المبدع كوكب حمزة والتشكيلي الرائع فيصل لعيبي والكثير الكثير ممن لا تسعهم هذه الصفحات القليلة. يؤدي بنا هذا الواقع إلى نتيجة حاسمة مفادها أن الساحة الثقافية والإبداعية على مختلف الصعد قد أفرغت من محتواها وجوهرها ومضامينها في العراق، ولم يتبق سوى نفر قليل ممن ضاقت به السبل ففضل الانزواء وترك الكتابة كالشاعر المبدع علي الشيباني والكثير من أمثاله على صعيد الرواية والقصة والبحث. ومنهم من انخرط طوعاً بتلميع صورة الدكتاتور طمعاً بالمال والجاه وأحيانا عن قناعة مبدئية وحب مشوّه من قبل عبد لسيّده.

ما يلفت النظر في خضم هذا الواقع المعقد والمشوّه والملغوم بالخوف والرعب من ارتكاب أية هفوة أو زلّة لسان يمكن أن تؤدي بمقترفها إلى ضرب عنقه بلمح البصر، يصعب العثور على نصوص تفلت من رقابة القمع وهستيريا تمجيد الدكتاتور الذي بلغ مصاف الآلهة المقدسة. يوجد من المبدعين من استطاع بشق الأنفس إنتاج نصوص جيدة فلتت من عين الرقيب وأحكامه القاسية. هذا يتعلق بقدر كبير بإمكانية المبدع على تورية نصه بما لا يدع مجالاً للرقيب تلمس المغزى الحقيقي للنص. أذكر على سبيل المثال قصة قصيرة للروائي العراقي الكبير فؤاد التكرلي نُشرت بالصحافة العراقية بعنوان (أ. ميم. راء. عين. سين. وترجمتها كما ورد في نهاية القصة: المدينة التي رحل عنها السرور). كتبت عنها مادة تحليلية في مجلة الحرية الفلسطينية عام 1982. وهي من أهم الأعمال الذكية التي استطاع مؤلفها النفاذ من سلطة الرقيب نتيجة كمية الغباء التي يتحلى بها الرقيب.

أما فيما يتعلق بالشطر الأخير من السؤال فكانت أصوات المبدعين العراقيين في المنافى أوضح وأنقى وأعمق من أصوات الردح المجاني وتخريف وتهويل الأقلام المأجورة التي تقرع الطبول الفارغة لتمجيد طاغية أهوج، وهي أقلام وأصوات هزيلة لا تجيد حتى فنون التهريج والمديح المزيف في أسوأ صوره وأشكاله المثيرة للسخرية.

*متى برأيكم يحين الوقت لتأسيس ثقافة عراقية بمستوى طموح المثقف العراقي بشكل عام؟

ركائز جديدة

-المثقف الحقيقي في كل مكان وزمان هو كائن عضوي يتفاعل مع المعطيات التاريخية والواقعية في المجتمع؛ وفي المفاصل التاريخية والأحداث الكبرى يكون المثقف عنواناً ورمزاً لهذه الأحداث. العراق مثله مثل باقي بلدان العالم أنتج شعراءه وأدباءه ومثقفيه ليعبروا عن إرادة شعبهم والتنوير لمستقبل أفضل في أحلك الظروف والمفاصل التاريخية التي مر بها العراق والشواهد كثيرة في هذا السياق. وعطفاً على السؤال نقول متى يؤسس لثقافة عراقية بمستوى الطموح؟ الجواب يكمن بالتأسيس، والتأسيس بحاجة إلى مؤسسات مختصة ومهنية لكي تنجز هذه المهام الكبرى. تحتل المؤسسات الثقافية في جميع البلدان المتحضرة حيزاً هاماً وكبيراً في مؤسسات المجتمع الأخرى، وتخصص لها الميزانيات الكبرى من أموال الدولة. وهي مؤسسات مهنية محترفة يديرها أشخاص محترفون في مجال الثقافة والفنون والإبداع من ذوي الشهادات الأكاديمية العليا وأصحاب الكفاءات الأدبية ذات المستويات الراقية. هذه الركائز الأساسية لبناء صرح ثقافي سليم غير متوافرة بالعراق منذ حكم حزب البعث القومي العنصري التجهيلي بعد انقلاب 8 شباط الأسود عام 1963 الذي وأد بشكل دموي ثورة 14 تموز وهدم جميع منجزاتها الاجتماعية والعلمية. ومن ثم يمر العراق حاليا بوباء الفساد المتفشي بمرافق الدولة والمجتمع بشكل غير مسبوق. لن يتعافى العراق ثقافياً إلا بزوال هذه الملامح المشوهة الغريبة التي تجتاحه طولاً وعرضاً بحيث تكاد تكون هي الملمح الأبرز.

*في رواياتك يحضر العراق والتجربة الذاتية بقوة.. كيف يحصل هذا للكاتب حين يكون منفياً قسراً؟

الحضور الأزلي

-في بداية زمن النفي حين غادرت العراق عام 1979 وأقمت في بيروت بالتحديد ومن ثم بدمشق مروراً بتجربة الكفاح المسلح بكردستان كنا نعيش ونعمل بالصحافة العراقية المعارضة والصحافة الفلسطينية وكأننا نعيش بالعراق. كنا لم نزل تحت تأثير الصدمة الرهيبة كوننا منفيين. إنها حالة من الذهول يحدونا أمل العودة إلى الوطن العزيز وإلى أحضان الأهل والأم والأب والأخوة والأخوات والأصدقاء. طال أمد هذا الأمل حتى تجاوز الثلاثة عقود، ومازال مستمراً حتى اللحظة للأسف الشديد. كنت في منتصف العشرينات، يسيطر على فضائي الروحي هواء العراق وسماء العراق وطعم العراق إلى جميع التفاصيل اللذيذة تلك التي تكّون معنى الوطن الكبير. من هذه الأجواء الحلمية جاءت مجموعتي القصصية الأولى “المشي في الحلم” بيروت 1987. وهي مجموعة عن العراق بامتياز. بعدها أصدرت روايتي الأولى “مقتل علي بن ظاهر ومتاهته” وهي رواية سياسية قصيرة تناولت فيها تجربة الكفاح المسلح بكردستان. في المنفى السويدي كنت مشروخاً بين العراق وذكريات الطفولة وبين الواقع السويدي الغريب المختلف تماماً عن التجارب السابقة فكانت مجموعة “العنكبوت” التي نصفها عراقي ونصفها الآخر يتناول حياة عراقي مهاجر وغيره. ومن ثم توالت الأعمال التي تعالج هموم العراقيين في المنفى كـرواية “أقمار عراقية سوداء في السويد” عن دار المدى، ورواية “ميلاد حزين” ومجموعة “أزمان للمنافي” ومجموعة “عالم صغير جدا” عن وزارة الثقافة السورية ورواية “جمرٌ عراقي على ثلج سويدي” دار التكوين دمشق، تتبعها روايتي تحت الطبع “رُقم الغياب ـ في طريق العودة إلى الرحم”. يبقى هذا الشرخ الذي يشق الروح والوجدان بسبب عيش الجسد في مكان ورغبة الروح بالعودة إلى المكان الأول، مكان الولادة الأولى.

* يقال إن للشام فضل على المثقفين العراقيين الذين عارضوا سياسة النظام الدكتاتوري السابق.. مدى صحة هذا برأيكم؟
وطن آخر للمنفى

-هذا الكلام صحيح إلى حدٍ كبير؛ للشام شعباً وحكومة فضل كبير ليس على المثقفين والأدباء العراقيين حسب، بل على أفواج كبيرة من المهجرين العراقيين الذين لاذوا بسوريا عموماً وبالشام تحديداً. دمشق عاصمة مستقبلة لكل جديد ولكل غريب، إنها عاصمة الغرباء. توفرت للعراقيين مثقفين وغير مثقفين سبل العمل والعيش من دون مطاردات ومنغصات. وكانت ساحة مفتوحة للإبداع وحرية التعبير للعراقيين المضطهدين، لذا سكنها الكبير مظفر النواب والجواهري والبياتي وهادي العلوي وغيرهم من كبار المثقفين والمبدعين العراقيين. أحببت الشام كما أحببت بغداد في ذروة عزها وازدهارها الاجتماعي والثقافي، يخالطني الوهم أحيانا أنني أعيش ببغداد. نعم للشام فضل على المثقفين العراقيين من حيث الحركة وطباعة الكتب والعمل في مؤسسات الدولة الرسمية. تحية كبيرة للشام الجميلة والبطلة الصامدة بوجه أعتى قوى الظلام والرجعية على مدار ستة أعوام والنصر مكتوب على جبينها.