الرواية العراقية في زمن الحروب والحصار

309

د. علاء حميد إدريس /

بات حضور الرواية في المشهد الثقافي بعد عام 2003 واضحاً، اذ أخذت تزاحم الشعر على مكانته، وأصبحت مثالاً للمنجز الأدبي الجديد. الرواية العراقية بأشكالها الأدبية المتنوعة اقتربت من أن تكون سجلاً غير رسمي لتحولات المجتمع العراقي.
هذا ما حدا بالناقد الراحل د. نجم عبد الله كاظم إلى طرح مشروعه الدراسي حول الرواية العراقية، ضمن أجزاء سعى فيها إلى تغطية تاريخ الرواية ومسيرتها منذ لحظات التأسيس حتى اليوم، لهذ يمثل كتاب (التجربة الروائية في العراق في زمن الحروب والحصار) الصادر في عام 2020، عن (دار قناديل) بطبعته الأولى، رصداً وتحليلاً لنشوء الرواية العراقية ومن كتب فيها.
الرواية ونشأتها
يحيل د. نجم ظهور الرواية في العراق إلى تأثير المصريين والشاميين بعد معرفتهم الرواية عند الغربيين، وتقليدهم هذا الفن بظهور أولى المحاولات الروائية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بعدها أمست المجلات المصرية واللبنانية تصل إلى العراق، ثم بعد ذلك أصبحت المجلات والصحف العراقية تتبع هذا التقليد، لذلك يشير إلى أن أول ظهور لمصطلح (رواية) كان في جريدة (صدى بابل) عام 1908، التي نشرت رواية ملخصة بعنوان (العدل أساس الملك) معلنة أنها من الأدب الغربي، ثم نهجت هذا النهج صحف أخرى، ولكن كانت لعام 1919 أهمية خاصة للرواية العراقية، اذ صدرت (الرواية الايقاظية) لسليمان فيضي، ثم بعد ذلك جاء عام 1921 الذي تزامن مع تأسيس الدولة العراقية، وقدم فيه محمود أحمد السيد روايته (في سبيل الزواج)، وبهذا العمل شارك (السيد) غيره في ريادة الكتابة القصصية في العراق، وعدَّ النقاد والدارسون عمله الأول محاولة روائية أولى، ثم ألحقها برواية ثانية (مصير الضعفاء) في عام 1922.
وبين د. نجم أن مرحلة الثلاثينيات من القرن الماضي مثلت نضجاً في الرواية العراقية، بعد أن نُشِرت قصتان طويلتان هما (الدكتور ابراهيم) لذي النون أيوب، و(مجنونان) لعبد الحق فاضل، وكلا العملين صدر عام 1939.
دليلٌ أدبي
واستعرض الدكتور نجم عبد الله كاظم، أستاذ الأدب المقارن والحديث في كلية الآداب – جامعة بغداد، في مقدمة الكتاب، أهمية دراسة التجربة الروائية العراقية طوال حقبة تقارب مئة عام، وعمل على تكوين توجه علمي لبحث الرواية العراقية ونصوصها، لأنها “لا تزال وستبقى ميدان نقد وبحث ودراسة، ولاسيما في بعض مراحل تطورها وتاريخها الطويل” ص9. كما سعى في مؤلفه هذا الى وضع دليل أدبي ونقدي للباحثين والكتّاب الذين يعملون في مجال النقد الأدبي، اذ اشتمل الكتاب على مدخل عن نشأة الرواية إلى عام 1980، ثم تناول بعد هذا المدخل الحرب وأثرها في الرواية العراقية، ولذلك اهتم برصد أعمال الروائي العراقي عبد الخالق الركابي، ولاسيما روايته المعروفة (مكابدات عبد الله العاشق)، ثم عرج على استمرار الرواية في ثمانينيات القرن الماضي وما شهدته من أحداث تأتي في مقدمتها الحرب الايرانية – العراقية، التي بدأت منذ عام 1980 واستمرت حتى عام 1988، ليصل إلى ما قدمه الروائي غائب طعمة فرمان، الذي كان له منجز مهم في تاريخ الرواية العراقية، إذ واجه (فرمان) تحدي الانقطاع عن المكان والمجتمع، وهذا ما أثر تأثيراً كبيراً في نصه الروائي، وطغت على منجزه الروائي فكرة المنفى وصراعاته. كما يذكر د.نجم أن رواية (المرتجى والموجل) هي تعبير واضح عن مأزق الهجرة والمنفى، يقابله الاحباط من واقع الوطن وأحواله.
رواية الحرب
كما رصد د. نجم في كتابه الرواية العراقية في ظل الحصار، وروايات مجتمع الحرب، ورأى أن الرواية في هذه المرحلة كانت واقعة تحت حس تعبوي على الرغم من انتهاء الحرب العراقية – الايرانية، مبيّناً أن سبب ذلك هو ما حدث من أزمات ومحن بعد توقف حرب الخليج الأولى، كأزمة اجتياح الكويت، والعدوان الأميركي ثم الحصار، ضارباً أمثلة كثيرة على استمرار رواية الحرب، اذ بقيت الروايات تهتم بالبطولة والاستبسال وما ينتج عن ذلك من إصابة واستشهاد. لكن، وبالرغم من استمرار روايات الحرب، يشير د. نجم إلى ظهور روائيين تمكنوا من الموازنة في رواياتهم بين التعبئة والفن، مقدماً أنموذجاً على هذا التوازن، هو ما كتبه الروائي فيصل عبد الحسن في (أقصى الجنوب) عام 1989، التي وصفها بأنها رواية تمكنت من المحافظة على فنية تحسب لها، ولاسيما عبر غلبة النفَس الانساني الذي أخرجها أو كاد من خانة روايات الحرب.
ونحن نطالع ما قام به د. نجم عبد الله كاظم ، نلمس أن هناك محاولة جادة في التعويض عن شح المصادر وقلتها، تلك التي ترصد ما جرى من تحولات اجتماعية وسياسية في المجتمع العراقي منذ نشوء النظام السياسي العراقي عام 1921، اذ تقدم الرواية مجالاً مفتوحاً يتخطى القيد الذي يخضع له البحث الأكاديمي، وهذا ما يجعلنا نقرأ هذا الكتاب من خارج الضوابط والالتزامات الأكاديمية لكي نحقق متعة الفهم والتلقي.