السيّاب يعود.. في طبعة جديدة لأعماله الشعرية

22

د. علاء حميد /

يمسك السيّاب بحضوره المميز في الشعر العراقي، لكونه أحد الصانعين المهمين للشعر الحر الذي حوّله إلى مرجعٍ في بيان اتجاهاته، لذلك يشتبك مع منتَج السيّاب الشعري كل من أراد أن يقرأ أو يكتب الشعر الحر، ومع أهمية تراث السيّاب الشعري، لكنه واجه مشكلة التدوين والمراجعة، إذ تعددت المشارب التي تبنّت توثيق شعره وإصداره في مطبوعات.
أن النصوص التي كتبها السيّاب مثّلت وثيقة أدبية وتأريخية مهمة، تكشف عن أحوال الثقافة والمجتمع في العراق والتحول العميق الذي جرى في الثقافة الشعرية وأنواع الشعر فيها، لهذا عملت (دار الرافدين ومنشورات تكوين) على مشروع مراجعة وتحقيق أعمال السيّاب الشعرية، إصدار اضطلع بتحقيقه الشاعر (علي محمود خضير)، وقدمه الشاعر العربي (أدونيس).
التباس الشعر
المشروع طبع في جزءين، جاءت المقدمة التي كتبها أدونيس لتعبّر عن رحلة في دور السيّاب الشاعر والمثقف الذي يتأمل هموم مجتمعه. يذكر أدونيس فيها كيف بدأت علاقته مع السيّاب عبر دعوة مجلة (شعر) التي سبقها إشرافه على طباعة مجموعة السيّاب (أنشودة المطر). يصف أدونيس صلته بالسيّاب بأنها معبِّرة عن التباس مرحلة تاريخية في جوانبها السياسية والثقافية، يكفي أن الأبرز فيها التباساً كان هو الشعر ودوره وتأثيره، فقد كان السيّاب علامة ثقافية تبنت انتقالاً جذرياً في النظام الموسيقي، كما يعبر أدونيس، نظام قائم على الأوزان التي صاغها الخليل بن أحمد الفراهيدي، ولا ننسى ما استقرت عليه الحالة الشعرية العربية من مفاهيم وقيم فنية قبل السيّاب، انطلقت هذه الحالة من تراث شعري حوى تاريخ العرب وذائقتهم في الحياة، ومن جانب آخر تحول منجز السيّاب إلى معيار للكشف عن مطالب آيديولوجية ابتغت التقدم وأسسه.
بذور الفشل
يرى أدونيس في نموذج السيّاب أنه عرّى الحالة العربية وعدم قدرتها على تلمس التغيير، لهذا يقول في مقدمته لهذه الأعمال: “غير الممارسات الحيّة والأقوال والكتابات التي كانت ترافقها، كانت تكشف لذوي البصيرة أنها تتضمن، في الفهم والرؤية، بذور الفشل في إمكان الوصول إلى بناء مجتمعات عربية ديمقراطية مدنية تقوم على احترام حقوق الإنسان وحرياته، في معزل كامل عن الانتماءات الدينية والعرقية.” وحاز هذا التحدي مساحة واسعة من النقاش والحوار بين السيّاب وأدونيس، لأن السيّاب مرَّ بتجربة آيديولوجية. إن غياب التأمل في تاريخية الثقافة العربية ظل بالنسبة لهما – أدونيس والسيّاب- المعضلة الأساسية التي تعيق تغيير هذه الثقافة، إذ أدى غياب التأمل إلى جعل مخرجات الثقافة العربية تصبح سلسلة متقطعة ومنحصرة في الأحداث المتقطعة.
يصل أدونيس في نقاشه مع السيّاب إلى غياب (أصول) الأحداث، فيغيب الماضي- الجذر، وإذا غاب الماضي عن الرؤية والفهم، لا يعود الحاضر بحسبه إلا كلحظة عالقة في الفراغ، ومهما كان فهم اللحظة بارعاً وذكياً ، فإنه يظل جزئياً وعابراً.
تصورات ذهنية
مع ذلك، يبقى السيّاب وشعره نصاً يجمل أغلب ما نواجه من أزمات ما زالت تشكل حياتنا اليومية، لأن جلَّ ما أراده في شعره هو إزاحة الثبات والدفع نحو التغيير، إذ أن الشعر في صياغاته قد أمسك بتصورات الذهنية العربية وجعلها حاكمة على النظرة إلى السلطة والمجتمع والعالم، هذا ما أشره أدونيس: “فبدلاً من أن تتحول إلى حركة نقدية شاملة وجذرية، لا للسياسات وحدها، وإنما كذلك للأسس التاريخية والفكرية التي تنتمي إليها وتصدر عنها، استمرت وتستمر، على العكس، في سياقها التقليدي: تعالج الظاهر السياسي المباشر، بغضب على الآخر، ورضى عن الذات، أو تعالجه بنوع من التسويغ تجد أسبابه في التاريخ أو المرحلة.”
تحقيقٌ جاد
الشاعر (علي محمود خضير)، الذي حقق هذه الأعمال الشعرية، يصف رحلته معها بأنها استعادة صلة بدأت مبكرة منذ عمره المبكر، إذ أخذ يطالعها منذ تسعينيات القرن الماضي بطريقة (الاستنساخ) التي شاعت في مرحلة الحصار، وينظر إليها على أنها خارج المتن المتاح في الفصل الدراسي.
يتعامل خضير مع نص السيّاب الشعري على أنه يفتح ثغور روحه، لهذا رأى فيه برهاناً ساطعاً على قدرة الإنسان على دحر الزمن بقوة الشعر، وهذا ما دفعه إلى بذل الجهد والمراجعة لكي تظهر هذه الأعمال خالية ممّا أصابها سابقاً من خلل ونقص، لأنه أشار إلى ما واجهه في تحقيقها: “لحظة شروعي في الإعداد لأعمال السيّاب الشعرية، حرصت على أن تبدأ هذه الطبعة بتحقيق جاد ومخلص في قصائد الشاعر، لعلمي مسبقاً بما يشوب الطبعات السابقة للأعمال الكاملة من مشكلات نقص، وعدم دقة، وأخطاء، بالدرجة الأساس.”
تباين النصوص
يذكر علي محمود خضير رحلته مع هذا العمل بالبدء بملاحقة المصادر ومخطوطات القصائد، وما صدر من طبعات سابقة، كما أنه لم ينسَ الصحف والمجلات والبدايات الأولى للسيّاب في طباعته لشعره، ويصف خضير الصعوبات بأنها كثيرة، أبرزها كان التباين في نصوص القصائد المنشورة في (الأعمال الكاملة) السابقة، والمنشورة في المجلات، لهذا قدم نموذجاً في ما يتعلق بالأخطاء الكثيرة، في قصيدة (ليلة في العراق) من ديوان (شناشيل ابنة الجلبي) و(إقبال)، ويذكر خضير هذا المقطع:
” كأني وسط هذا الكون حيث يسوطني العطش
نواة حولها ارتجف العصير الحلو في ثمرة
ويحرقها صداها
وانتظرت: سيغسل الغبش
صداي، يحيلني شجرة
تمص الماء، يقرع في مداها النسغ !”
هنا يقول علي محمود خضير: “يمكن ببساطة ملاحظة خلل الوزن وقطع المعنى في الشطر الأخير من المقطع الذي بدا لي مبتوراً، ومع عودتي لمخطوطة القصيدة وجدت الشطر الأخير من المقطع، على النحو التالي:
” تمص الماء، يقرع في مداها النسغ آلاف الدرابك حين ترتعش.”
يظهر في هذا الكتاب الذي صدر عن (دار الرافدين)، جهد الشاعر علي محمود خضير واضحاً وملموساً، في محاولة لجعل نتاج السيّاب الشعري خالياً من الهنّات التي وقعت فيها الطبعات السابقة.