الشاعر السوري باسم سليمان لـ” الشبكة”:نصوصي أبعد عن الموسيقى أقرب الى اللدغة!

697

 مهدي باجلان/

استعار من مدينة صافيتا الساحلية جماليات المكان، ومن امتداد جذورها في التاريخ جماليات الزمن، لكنه في النهاية كشجرة المنغروف جذورها في كل ماء مالح أو فرات كما يصف نفسه. صرخ صرخته الأولى في قرية مبت الواقعة على الساحل السوري، فمن البحر وأشجار الزيتون استطاع أن يكتب كل بوح وكل صرخات تمرده.

عادة ما يصف الشاعر نفسه بالحمامة أو البلبل أو ربما الصقر الذي يستكشف الآفاق، إلا أن الشاعر باسم سليمان يقول إنه غراب. نعم أنا غراب؛ يقول سليمان، هذا هو جوهري، أمّا كيف جئت للأدب فقد أتيت إليه من الكره إلى الحب. لأكثر من ثلاثة عقود كنت لا أطيق الأدب بجميع أنواعه، وعندما كتبت ما يشبه النص وقلت في نفسي: هذا حسن، تلفّتّ إلى ظلي فوجدت جناحي غراب ومن شجرة حور صرح غراب «غاااااق» فبدأت القراءة كحبِّ «أشعب» لدى الجاحظ للأكل. قرأت كثيراً حتى تجرأت على الكتابة إلى أن أتى زمن توازى خطّ الكتابة مع القراءة خطوة بخطوة.

الشاعر الغراب

هذا الشاعر الغراب يجد أن سؤال الشعر يتوافق مع قول سقراط «اعرف نفسك» ليس بالمنهج الفلسفي الذي أراده سقراط ولا كما يذهب المتصوفة إلى الميتافيزيق في الجواب عن هذا السؤال ولا بالمذهب الوجودي كما ذهب سارتر بل في كل ما سبق. لذلك يقول أنا أميل إلى «أرضنة» الشعر. أرضنة – من أرض – على وزن «شيطنة» ومن الشيطنة المرتبطة بالخطيئة أجد الشعر هو الخطيئة التي ستنجينا من الخطيئة الأساسية العائدة لآدم وتجبّها ليس بالعودة إلى الجنة والاستتار، بل بكشف الجنة وفضحها وتخليصها من سياق «أفعل ولا تفعل» والإنطلاق بها من غيبها كجنة إلى الحياة.

للشاعر اشتغال في السرد أيضاً فكان لا بدّ لنا من أن نعرّج على اهتماماته الروائية فهو يجد نفسه هنا وهناك في الشعر كما في الرواية كغراب يتقن المشيتين.

الشعر والرواية

أجد نفسي في الشعر أو الرواية، يقول: أنا في كليهما، فالشعر الذي أكتبه هو ما اصطلح على تسميته «قصيدة النثر» بغض النظر عن التجاذبات الاصطلاحية التي تبعت هذه التسمية والتي لا تعنيني، وأجد الجدل فيها سخيفاً، فالشعر المنثور هو ابن المطبعة وانتشار الكتب المطبوعة بعد اكتشاف الطباعة ومن بعدها الترجمة – طبعاً في أوروبا وانتقل من هناك لنا مع الانتباه إلى الجذور الشعرية لقصيدة النثر في تراثنا العربي مع غيره من ثقافات الشعوب لكن شجرة قصيدة النثر نمت في أوروبا ومنها انتقلت إلينا – فكل من المطبعة والترجمة واحد.

أما الرواية فهي ابنة المدينة، ابنة النسبي والنسبوي أكثر. إنها المهرج الجديد ضد صرامة الأنساق المجتمعية في الأزمنة في بلاط وساحات المدن . إنها الكذب وقد تحوّل إلى عمل إبداعي واقعي.

رهانات حاضرة

وهل من بقاء للشعر؟ يسأل الشاعر نفسه ويجيب: الشعر، الآن، صرصار مجارير البيت، هو الذي سيبقى بعد الجحيم النووي. إنه طبقة الكيتين التي تحمي مسخ كافكا – الإنسان الحديث – من الجروح النرجسية التي بدأها غاليلو وداروين وفرويد. فشعر اليوم وإن كان ابن الشعر القديم لكن أولادكم ليسوا لكم أولادكم ملك الحياة، كما يقول جبران في «النبيّ» الحياة التي تضيق كخرم إبرة وعلى الجمل ـ الإنسان أن يمر به يا للسخرية المرّة.

ككلّ شاعر، هو يعود إلى ماضٍ سحيق للدلالة على رهانات حاضرة. يقول أنا أعود إلى قراءة التراث، خاصة الجاهلي استناداً إلى الكشوف الانثربولوجية والإناسية والتأثيل اللغوي ودراسة اللغة المقارنة مع تراث المنطقة سواء في بلاد النهرين أم سوريا وعليه أنا متأثر الآن بامرئ القيس وزهير بن أبي سلمى كتأثري بملحمة كلكامش كأمثلة عما أعيد قراءته باستمرار. أما الشعراء من روّاد الحداثة كنازك الملائكة والسياب فهم ضرورة في زمنهم لكني اقرأهم الآن كتجارب شخصية لا أكثر كما ستُقرأ تجربتي فيما بعد، فالشعر في الأزمنة الحديثة سيرة منحولة حقيقة لكائن فردي قد يستفيد منه علماء الاجتماع والتاريخ فيما بعد في دراسة تلك الحقبات فالشعر – الآن – ليس شاهد رؤية بل سماع.

ولهذا، يضيف الشاعر، فإن قراءة التاريخ واللغات والبحث في جذور الكلمات وإعادة قراءة النتاج الأدبي القديم أمر لا أنفكّ عنه لكنه يتم عندي بناء على أساليب حديثة تعطي نتائج مختلفة عما قدمه القرن العشرون. وكل هذه الهويات تصب في خانة أدبي لأن نصوصي لا تأتي على شكل موسيقى أو لوحة، بل أقرب للدغلة قد ينفر منها غزال أو ذئب.