الشاعر اللبناني وديع سعادة لـ”الـشــبكـة”:بودي لو أتمكن من إعادة تركيب نفسي!

261

ايه منصور/

في أغلب قصائده يخاطب الأشياء أكثر مما يخاطب الانسان؛ فهناك المقعد والطاولة والبحيرة والحديقة والباب والغيمة.. كأنه افتقد التواصل مع الكائن الحي، لكن هذه الأشياء لا تحضر كبديل بل كعلامات تحدد الحياة التي يعيشها..
ومن عناوين مجموعاته الشعرية “من أخذ النظرة التي تركتها أمام الباب” و”ليس للمساء اخوة” و”بسبب غيمة على الأرجح” نرى انشغاله بالأشياء ودلالاتها.
الشاعر اللبناني وديع سعادة تأريخ من القصائد الممتدة حتى ١٢ مجموعة شعرية، فضلا عن عمله في الصحافة العربية في بيروت ولندن وباريس، قبل أن يهاجر إلى أستراليا في أواخر عام 1988.
تُرجم بعض أعماله إلى الألمانية والإنكليزية والفرنسية.
“الشبكة” حاورته عن شؤون الشعر والكتابة والحياة..
قلنا له: فيما تعجن بقايا الذكريات بجمر الروح لتخبز منها قصيدة، هل وبختك أمنّا الحياة على اقتراف الشعر الذي بدأته في سن مبكرة؟
-برغم أن الحياة هي أمّنا، فإنها مع ذلك تترك جروحاً كثيرة في قلوبنا. ومن هذه الجروح ينبت الشعر. وأنا أصابني الجرح منذ صغري بموت أبي احتراقاً، وازدادت الجروح وتعمقت بالحروب والدمار والأسفار والهجرة.
¶تسهر كثيراً بقصائدك على راحة الصامتين، بودي أن اسألك هل تؤمن وأنت تسير بحواف تلك الجغرافيا تحديداً، أنهم لو ملكوا أفواها لاغدقونا بالشتائم؟
-بعد كل هذا الذي يحدث في الأرض، من حروب وقتل وعنف وظلم وقمع واستغلال، بتُ أؤمن بأن الإنسان هو أشرس كائنات الأرض، ويستحق شتيمة حتى من الذين هم تحت التراب.
¶دائماً نلمحك تمشي وحيداً بيننا، ووحيداً جداً وكأن نصوصك هي رفاقك المتبقين، هل تبحث عنك في عزلتك؟
-نحن وحيدون حتى ولو كنا بين جمهور. وكل واحد منا يبحث عن نفسه في عزلته هذه. لكن لا أظنّ أن أحداً سيجد نفسه.
¶غالباً ماتقطّع الجسد إلى أجزاء وتعيد تركيبه وفق رؤيا مخيلتك، لمَ هذا التركيز على تجسيد النص في نصوصك؟
-بودي لو أتمكن من إعادة تركيب نفسي… أحاول، ولكن سرعان ما أرى أنّ ما فككته وأعدتُ تركيبه جاء مهشماً ونازفاً أيضاً، وكما هو هكذا في الذات، هو على الورق أيضاً.
¶ لماذا أنت قلق هكذا، قلق على الأرض ومحتوياتها، قلق على أصدقائك؟ على خزنة حزنك!؟ مفتوح العينين في داخل قصائدك لاتنام بطمأنينة أبداً، وكأنك تحثها على مواصلة الحزن وصقله من قصيدة إلى أخرى!
-من يرى كل هذا الذي يحدث على الأرض كيف لا يكون قلقاً ؟!! الشاعر، عليه في الأقل أن يرى، ومن يرى ولا يقلق لا يكون شاعراً.
¶ الشعر ضربة موجعة في رأس الحياة، بم اعتمدت مطرقة الشعر؟
-بالحياة نفسها.
¶ هل كانت قصائدك كمامات أوكسجين في تخطي بعض حشرجات الغربة الأم؟
-كانت وهْمَ كمّامات، ولكن برغم ذلك فإني أشكر هذا الوهم.
¶ما الذي لم يستطع وديع سعادة التقرب منه حتى اللحظة؟ من الذي لم يسمح لك بالكتابة عنه؟!
-كل شيء مباح في الكتابة شرط التقدم إليه بجرأة ومن دون “محرمات” وضعها المنغلقون في الكهوف. وأنا أعتقد أني تقرّبت من كل ما أريد غير آبه بما يريد هؤلاء المنغلقون أن يفرضوه عليّ.
¶ أتستطيع التخلص من تلك الصخرة التي تجثم على صدر ذكرياتك بقصائدك؟!
-أحاول، وأوهم نفسي أني أتخلص من تلك الصخرة. هذا الوهم جميل، وأعتقد أن أجمل ما يحمله الشعر هو هذا الوهم.
¶ هذا الفراغ الذي يحيط بنا، أيشكل وطناً جيداً للعيش فيه؟! وديع سعادة بعيداً عن الشعر، ماذا يفعل بهذا الفراغ؟
-لا، الفراغ ليس وطناً. ربما الشعر وطن. وأنا، بعيداً عن الشعر، أعيش في منفى.