الشعرية العراقية وتحولاتها بعد 2003

188

علاء حميد إدريس /

للشعر في الثقافة العراقية مكانة مميزة، وله الحضور الأبرز في منجزها. لكن بعد 2003 لم ينجُ هذا المنجز من الوقوع تحت تأثير التغيّر الذي أصاب الحياة في العراق. لهذا استطلعت “مجلة الشبكة” أراء النقاد والشعراء بشأن المتغيرات التي أصابت الشعرية ونصوصها، إذ طرحت عليهم مجموعة من التساؤلات التي دارت حول التحول الذي أوجدته مواقع التواصل الاجتماعي وتزايد جمهور الشعر الشعبي وأزمة المطبوعات والإصدارات الشعرية.
*الشاعر كاظم الواسطي يحدثنا قائلاً :
في هذا الجانب، أختلف مع من يعتقدون بأن وسائل التواصل الاجتماعي هي السبب في نوعية ما يُنشر فيها من قصائد ونصوص شعرية، فهذه الوسائل فضاء مفتوح للجميع، يُتيح لهم حرية التعبير والكتابة بأشكالها وعناوينها المختلفة، وهي ليست مسؤولة عن “الاستسهال” في كتابة الشعر، بل إن من يكتبون هذه النصوص يُظهرون حقيقة ما هم عليه، ومدى إمكانياتهم وتمكّنهم في هذا المجال، فمع ما يراه بعضنا “غير جدير بالنشر” في هذه الوسائل، هناك كثير من النصوص الشعرية الجيدة التي أتيحت لها فرصة الظهور في مواقع التواصل الافتراضية، ولاسيما في زمن ضمور المطبوعات الورقية وشحّتها. لا أتفق مع توصيف “الغَلَبة” للشعر الشعبي على بقية الأنواع في الكتابة الشعرية، بل إن ثمة بيئة ثقافية وسياسية كان لها تأثير كبير في أن يكون للشعر الشعبي انتشار أوسع في الوسط المجتمعي، وكان للصراعات السياسية والآيديولوجية دورٌ في ترسيخ هذا التأثير، والترويج الإعلامي له، ليكون فاعلاً في الذهن العام، ذلك أن لغة الشعر الشعبي قريبة من الموروث الثقافي للجمهور، وذات تأثير أكبر في مشاعره، لكن هذا لا يعني أن الشعر الشعبي وُجد كنتيجة لهذا الواقع، بل إن هناك من يعمل على استخدامه وتوظيفه لغايات معينة، وكثيراً ما فشلت مثل هذه المحاولات في التأثير على إبداع أسماء شعرية مهمة في العراق، مثل مظفر النواب، وعريان السيد خلف، وكاظم اسماعيل كاطع، وآخرين كثر من مجايليهم، وما بعدهم. لستُ مع المعايير التي تضعها “لجان خاصة” تفرض الشروط التي تعتقدها، من وجهة نظرها، ثوابت لا تتزعزع في تقييم شعرية النصوص، ولا مع من ينصّبون أنفسهم حراساً على بوابة وحيدة للشعر. فأبواب الشعر اليوم عديدة، ومن الأفضل أن يكون بابه فضاء الحياة المفتوح على كل الأشياء. من هذا التراكم الكمي في الإصدارات سيعلو الأجمل، وما يستحق البقاء، مازلت أميل إلى المطبوعات الورقية، كحال أبناء جيلي، لهذا اتمنى أن تكون هناك مجلات تُعنى بالشعر، أو بالأدب والفن عامة، لكن لا أستطيع أن أقدّر مدى تناغمها مع ثقافة الأجيال الجديدة.
*أما الدكتورة عذراء ناصر، المتخصصة في الشعر والحرب، فترى أن الشعرية العراقية لم تنجُ مما جرى في العراق بعد تغير النظام السياسي العام 2003، لذلك أجابت على تساؤلات “مجلة الشبكة” على نحو الاتي:
أثرت مواقع التواصل الاجتماعي في كل شيء في الحياة، لذلك من الطبيعي أن ينسحب هذا التأثير على كتابة الشعر الذي هو أقدم الأنواع الأدبية، إذ سمحت مواقع التواصل في العراق لكل الكتابات بالظهور مع قلة الخبرة والموهبة. الثقافات الرصينة غالباً تعمل على (فلترة) النصوص الأدبية تاركة في ذاكرة الشعوب التجارب الشعرية المهمة والحقيقية. أما نوعية الشعر، إذا كنا نتحدث عن الشعر الحقيقي، فهذا لا يتأثر بالوسيلة بل بالأحداث العظيمة التي تمر بها الشعوب، فتُحدث هزات نوعية تؤدي إلى تغيرات نوعية في الفنون ومنها الشعر، فعلى سبيل المثال، لا الحصر، الحروب العظمى في القرن العشرين التي أثرت بشكل دراماتيكي في كتابة الشعر وأنتجت أنواعاً شعرية جديدة. أعتقد أن مقارنة الشعر الفصيح بالشعر الشعبي لن تكون عادلة، ذلك أن الشعر الشعبي أقرب لأنواع الفنون الشفاهية الاستعراضية التي تجتذب، دون تكلفة، عامة الجمهور، أما الشعر الفصيح فهو فن لغوي فلسفي يحتاج جمهوراً خاصاً ذا ثقافة لغوية واجتماعية تمنحه القدرة على تذوق هذا النوع من الفنون الذي يتطلب تكلفه ثقافية وإنسانية عالية، لأنه لا يخاطب الجمهور عامة بل جمهور النُخب الاجتماعية التي لديها القدرة على استيعاب النصوص الشعرية الفصيحة وتذوقها. أعتقد أنه من المجدي وجود لجان رقابية في دور النشر في العراق، أو في أقل تقدير دعم الدور التي تنحو هذا المنحى، لإنتاج مجموعات شعرية تصنع هي نُخب قراء متذوقين للشعر الجيد. نعم أنا مع إصدار صحف ومجلات مختصة بالشعر والكتابة الإبداعية بشكل عام،
وهذا طقس أدبي مهم عرَّفنا عبر التاريخ بالتجارب الشعرية المهمة.
* الروائي البصري كامل فرعون ركّز في رده على الجانب اللغوي وعلاقته بوسائل التواصل الاجتماعي، إذ يرى الشعر استعمالاً خاصاً للغة، وهو ما يضع الشاعر أمام مسؤولية كبيرة، لا تقف عند حدود المتخيّل فحسب لإنجاز النصّ، بل تتعدى ذلك إلى جانب آخر لا يقلّ أهمية عنه، متعلق بالوسائط التي تحمل المادة الشعرية. وبغض النظر عن الوسائل القديمة التي لجأ اليها النصّ لتحقيق وجوده المادي، إلا أن تلك الوسائل اختلفت لما لحقها من تطور طوال مراحل التاريخ وصولاً للصيحة الأخيرة في عالم التكنولوجيا وما أحدثته من اختزال زمني في كتابة النص الشعري وتلقيه. لكن هذا التعدد اللافت للنظر في وسائل التواصل وشيوعها الكبير له جوانب إيجابية تراعي العصر والمستوى التقني الذي وصل إليه، قد يفرح هذا الأمر متداولي الثقافة، وهو أمر في غاية الأهمية فعلاً، مع أنه يضمر إشكالات متنوعة تتعلق بطبيعة النص المكتوب والمتداول من حيث جودته وضعفه، إذ يصل في أحيان كثيرة حدّ الابتذال، إذا استطعنا تجاوز الكم الهائل من الكلام الذي يسمى شعراً، سنقع حتماً على نصوص إبداعية مهمة، تدين الواقع الافتراضي الذي سمح بهذه الفوضى، التي أنجبت كثيراً من المدّعين لحمل اسم شاعر أو غيره، وانعكس هذا السلوك على خراب الذائقة.
وفي ما يتعلق بالمقارنة بين الشعر الفصيح بأشكاله المختلفة والشعر الشعبي، فإن لكل منهما جمهوره الخاص والمتداخل في بعض الأحيان. أكبر المهرجانات الآن تقام للشعر الفصيح كالمربد والجواهري والمتنبي والحبوبي وغيرها، لكنْ للشعر الشعبي حضور طاغ على مستوى القنوات التلفزيونية، وهذا ما يبرر طرح السؤال، فضلاً عن ميل بعض شرائح المجتمع لهذا النمط، لملامسته مشاعرهم بلغة قريبة من فهمهم، لغة تتعامل بمفردات متداولة واضحة المعنى، تعكس همومهم ومعاناتهم بأسلوب يتناسب ووعيهم الثقافي.
النتاج الشعري الذي ظهر بعد 2003 يدعو للتفاؤل، لأننا أمة شاعرة، لكن مسألة وجود لجنة لفحص الكتب في كل دار نشر قضية مهمة جداً، حتى يتحقق في الأقل الشرط الفني للكتابة الشعرية لنضمن، بعد ذلك، مسوّغاً لاختلافاتنا حول المستوى الإبداعي، لا أقصد الرقيب الفكري بل الفني، لضرورته في الإنتاج والتلقي، أما هذا الكم الهائل من النتاج، إذا لم يستجب للشرط الأول فلا مبرر لوجوده.
لا أرى جدوى من وجود صحف أو مجلات مختصة بالشعر، وذلك لكثرة دور النشر، ومقدرة بعض الأدباء مادياً على تحمل تكاليف الطباعة، وهنالك عامل مهم يتعلق بالقارئ، فليست لدينا قراء للكتاب الورقي، فما بالك بالجريدة أو المجلة، هناك أمية ثقافية متفشية في المجتمع، واستلاب للذات أمام الحاسوب أو الهاتف.
*الشاعر كاظم غيلان لا يجد تعارضاً بين أنواع الشعر، لكنه ضد التساهل في التعاطي مع الشعر، إذ يقول: لست ضد نشر الشعر لكنني ضد هذه السهولة في النشر التي يتحمل مسؤوليتها الأولى محررو الصفحات المعنية بالشعر. الأمر أبعد وأشد خطورة، فعبر مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) ومشتقاته تتم، أو تمت، دعوات لتمثيل الشعر العراقي لنماذج من أشباه الشواعر. حتى أصبح الشعر العراقي أضحوكة من خلال نماذج المشاركات التي تجري. الفوضى الحاصلة الآن في النشر، من وجهة نظري، ماهي إلا جزء من مشروع الفوضى الخلاقة الذي تقف خلفه مؤسسات وأحزاب وجيوش. المرحلة الصاخبة بخرابها بحاجة إلى ممارسة نقدية شجاعة وفضح شجاع بلا إخوانيات ثقافية ولا مجاملات أكاديمية. أما الإصدارات الشعرية فلست بالضد منها شريطة أن تكون مصحوبة بوعي ومسؤولية ثقافية، إلا أن هذا بات رديف الفوضى نفسها. المطبوع الشعري بحدود الصحف والمجلات مهمل جداً بفعل الإنترنت، بدليل أن مجلة (الأقلام) مكدسة في بورصة المجلات، بينما عددها الأخير مهم جداً، ناهيك عن غياب الآلية التي ننتظرها في التوزيع.
* الشاعر إيهاب شغيدل ربط في إجابته بين الجانب الاجتماعي وما يجري في الشعر من تحولات، لذلك يرى أن الشعر والكتابة بشكل عام هما تفاعل مع الحياة وانعكاس لإيقاع العيش وطرق التفكير، ومثلما اجتاحا مواقع التواصل البيوت والغرف وتدخلا في طرق الحب والكلام عبر الاختصارات والأيقونات وأثرا في كل شيء، فحتما لهما تأثيرهما الذي هو ليس بمعزل عن الحياة، بل على العكس فإن الشعر هو الراصد لعملية تفاعل الذات مع الموجودات، وهذا التأثير بات محسوساً وينبغي أن يرصده النقاد والدارسون، رغم أن جزءاً منه يبدو واضحاً مثل استخدام تراكيب ذات إيقاع سريع وصور تبدو، إلى حد ما، ملتقطة من شاشة إلكترونية أكثر من كونها واقعية، إضافة لاستخدام بعض الكلمات الجديدة.. الخ، وهذا التأثير جعل الشعر اليوم يميل لليومي والهامشي أكثر من انشغاله بالكليات ومعالجة الموضوعات الكبرى كما كان في السابق، لو عدنا إلى أصل الشعر العربي الذي نسميه الآن “الشعر الفصيح” لوجدناه كان شعبياً بالمعنى الذي تقصده، بالنهاية الإنسان البسيط علاقته بالشعر تنحصر في مجال التعبير والشفاهية ووضع نفسه محل الشاعر عند نقل البيت أو الجملة، وهذا لا يعني أن الشعر الفصيح نخبوي، لكنه في فترات ما لم يكن انعكاساً لقضايا المجتمع فراح يجنح للالتباس والتهويم والكتل اللغوية غير الواضحة وربما ذلك بسبب طبيعة الأنظمة السياسية، وهذا ما جعله بعيداً عن متناول الناس، هنا أجد أن مواقع التواصل الاجتماعي أسهمت بشكل ما في إعادة هذه العلاقة إلى حد ما، ما جعل النصوص تتخلى عن الغموض والالتباس وتصبح أكثر وضوحاً، وهذا أيضاً ينبغي رصده وفحصه عبر دراسات وأوراق بحثية متخصصة.
أما عن لجان الرقابة وفحص النصوص فإن من أكبر المؤاخذات على الأنظمة القاسية والعنيفة والدكتاتورية أنها تراقب وتفحص النتاج الإبداعي وهي تحجِّمه بذلك، لذا أشعر بالخوف من هذه اللجان لأنها يوماً ما سوف تتمادى وتخدم آيديولوجيا معينة، فكتابة بسيطة ودون المستوى، كتابة مجانية، أفضل من رقيب سوف يلبس (الزيتوني) بمرور الوقت، نعم أنا مع الفكرة، وسبق أن أصدرنا، نحن مجموعة أصدقاء شباب، مجلة “مسقى” التي تُعنى بالشعر، لكنها توقفت بعد أربعة أعداد بسبب قلة الدعم، وأيضاً تزامن إعداد العدد الخامس مع انتفاضة تشرين فتوقف العمل دون أن نحدد موعداً للعودة، الفكرة لا بأس بها من باب أنها يمكن أن تخلق جمهوراً نوعياً للشعر وترصد النصوص الجديدة وتقدم رؤى شعرية تلائم مزاج الحياة.