الضابط والناشر سامر السبع: المعرفة لا تنقذنا من الهلاك لكنها تُمدّنا بالعزاء

497

علي السومري /

قارئ نهم للكتب، وصاحب مشروع ثقافي، راهن بأنَّ الثقافة رافد مهم من روافد بناء المجتمع، مجتمعنا الذي خرَّبته سنوات الديكتاتورية والحروب والأزمات الداخلية والخارجية بُعيد سقوطها، ليؤسّس مع صديقه الروائي أحمد سعداوي مكتبة ومنشورات نابو في شارع المتنبي، وهو أيضاً ضابط عسكري ملتزم، أقسم على الدفاع عن الوطن من أي اعتداء خارجي وحماية قوانينه من عبث العابثين..
شارك في معارك تحرير محافظات العراق من سيطرة عصابات داعش مع رفاقه وباقي القوات الأمنية بشتى صنوفها، وتعرّض لإصابات عدة، في معارك انتصر فيها العراق باستعادة كامل أراضيه، ليغمره الفرح والأسى في الوقت ذاته، فرح الانتصار، والحزن على أصدقائه الشهداء.
إنَّه الرائد سامر زهير السبع، المولود عام 1989، الضابط في وزارة الداخلية، والحاصل على شهادة البكالوريوس في علوم الشرطة، ضابط ومثقف ارتأت مجلة الشبكة إجراء حوار معه بمناسبة عيد الشرطة، حوار ابتدأناه بسؤال:

* تعيش في عالمين مختلفين، عالم العسكرية وانضباطها، وآخر ثقافي تملك فيه مشروعاً مهماً، أعني به دار ومكتبة نابو للطباعة والنشر، كيف يمكنك التوفيق بين هذين العالمين المختلفين؟
– برأيي لا توجد عوالم وإنما “حقول” في عالم واحد، لا غير. هذا العالم بمجرد ما يدرك المرء حقيقة وحدانيته، يشرع المرء في محاولة تفحّص كل حقوله، ليتمكن من التعرف على العالم الذي يجد نفسه فيه، ثم التعرف على نفسه. على المستوى الشخصي لم أواجه صعوبات كبيرة في تخطي الحقول بل على العكس، استطعت أن أكثف تجربتي الحياتية، وأن أكتشف ألواناً قد لا يراها الآخرون في تجاربهم داخل هذا العالم الواحد.

* أنت من عائلة مجتهدة بامتياز، أخوة أطباء ومهندسون، ما الذي أغراك وأنتَ المجتهد في الدراسة لاختيار الحياة العسكرية؟
– هنالك تعليق أريد أن أضعه هنا قبل أن أجيب عن قرار اختيار الالتحاق بكلية الشرطة.. كل أخوتي كانوا متفوقين في قراءة الكتب المنهجية، لكنَّني لم أكن بالمزاج نفسه مع الكتب المنهجية، في ما بعد توصلت الى حقيقة أنني لا أختلف عن بقية أخوتي في العلاقة مع القراءة، ولكنني أختلف بتفضيل شخصي في القراءة، وهو تفضيل قراءة الكتب غير المنهجية والدراسية.
على عكس أخوتي الذين يفضّلون قراءة كتبهم الدراسية. هكذا أخذ الاختلاف في التفضيلات يشجعني على خوض مغامرات أكبر. وأول مغامرة كانت، هي مغامرة أن أكون عسكرياً!

* هل أنقذتك المعرفة التي قطفت ثمارها من الكتب أثناء مواجهتك سؤال المعنى، سؤال الحياة، وأنتَ تواجه الموت أثناء تأديتك واجبك الأمني؟
– هنالك حكاية عن نص شعري كان يردده دوما، الروائي والصديق أحمد سعداوي، ويعلّق على ذلك النص: “لا اعرف إذا كنت أنا كتبت هذا النص أم أوكتافيو باث!” وكيف مع الوقت اكتشف سعداوي بأن النص الذي قرأه في المرة الأولى لأوكتافيو باث في التسعينيات يختلف عن النص الذي يردده.. يقول النصّ: “لا أحد ينقذك وأنت تسقط في الفراغ… سوى رفيف أجنحتك”.
راودتني هذه العبارة عند السؤال عن الموت، وتذكرت حكايتها..
ربما لا تنقذنا المعرفة والكتب من الهلاك في الكثير من الأحيان، لكنها تمدنا دائماً بالعزاء.

* ما الذي يعنيه لكَ الاحتفال بيوم الشرطة، وأنتَ أحد ضباطها؟
– عيد الشرطة هو يوم ميلاد بالنسبة إليّ. فأنا تخرجت في مثل هذا اليوم في الكلية قبل تسعة أعوام، نحن لا نولد مرة واحدة! وهذا اليوم أحسبه يوم ميلادي الأكبر في الحياة.

* كنت من الضباط الذين شاركوا في معارك تحرير محافظاتنا التي احتلها التنظيم الارهابي (داعش)، وتعرضت لإصابات حرجة، هل فكرت بتأليف كتاب عن هذه التجربة، كتاب توثق فيه مشاهداتك وما مررت فيه أثناء هذه الفترة العصيبة؟
– أنا واحد من آلاف ممن شاركوا في واجب الدفاع عن الوطن، ولستُ إلا امتداداً لتاريخ أولئك الذين حافظوا على أمن البلد منذ تأسيس الشرطة.
هنالك كثير من المواقف الأسطورية لضباط وجنود في وزارة الداخلية في معارك الحرب ضد داعش الإرهابي. وعندما أقارن بين ما تعرضت له مع أولئك المقاتلين، أتردد بصراحة في ذكر مواقفي. وأفكر بعمل آخر يخلد ذكرى تلك الأيام، لرجالها الذين لم يعودوا بيننا اليوم.

* لنتحدث عن عالم الكتب، ما آخر إصدارات نابو، وهل هناك سياسة خاصة في ما تتم طباعته ونشره فيها؟
– أصدرنا في نهاية عام 2020 عشرة كتب في مجال الدراسات والأدب. من بين تلك الكتب؛ السيرة الأهم للرسام الايطالي ليوناردو دافنشي.
نحن في منشورات نابو نركز على المحتوى بغض النظر عن طاقته الإشهارية، ونعمل دوماً على تقديم محتوى يفيد القارئ العربي ويضيف أفقاً جديداً له.

* كيف تقيم واقع الكتاب اليوم من ناحية التسويق، وهل أثرت مواقع التواصل الاجتماعي في انتشاره واقتنائه؟
– رهان بقاء الكتاب الورقي.. رهان فائز! مواقع التواصل الاجتماعي لا تؤثر في مستقبل الكتاب، بل على العكس تزيد من حظوظ الدعاية والترويج للكتاب. لا أحد يستطيع أن يكتب بشكل جيد، من دون أن يقرأ بشكل جيد. القراءة دائمة والكتاب دائم.