القاص علي السباعي لـ”الشبكة”: الكتابة تكسر القيود وتوقظ الإنسان من غفوته

756

 نجلاء الخالدي/

‎لا يمكن اختزال التجربة الأدبية الثرية للقاص العراقي علي السباعي التي بدأت بوادر نضجها مبكراً منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي، إذ جسد السباعي عبر مجموعاته القصصية “إيقاعات الزمن الراقص”، و”زليخات يوسف”، و”بنات الخائبات”، و”مدونات أرملة جندي مجهول” وآخرها “شهرزاد قدري” صراع الإنسان العراقي مع السلطة ومع تجار الحروب والتوق إلى قطف ثمار الحرية، فكانت قصصه توثق واقعاً عراقياً بعدسة قاص ظل حلمه أن يشارك الناس في تلك البقعة من الأرض بالبحث عن طوق نجاة مفقود.

تحليق في الحرية

التقته مجلة “الشبكة العراقية” وكان أوّل أسئلتنا عن طقوسه في الكتابة الإبداعية فأجاب: “‎لا طقوس عندي في الكتابة. فالكتابة الواعية حرية. والطقس يعني القيد. والإبداع ضد الأصفاد. الكتابة تكسر القيود وتوقظ الإنسان من غفوته، وتضيئه من الداخل. الكتابة ضوء والضوء لا يمكن أن يقيد بطقس معين. أذكر قولاً للروائي الأرجنتيني أرنستو ساباتو “لا أحد ينام في العربة حين تقله من الزنزانة إلى المقصلة. لكننا ننام جميعاً من الولادة حتى القبر أو أننا لم نستيقظ حقاً، وإحدى مهام الأدب العظيم إيقاظ الإنسان السائر صوب المقصلة”. أن تلزم نفسك بقيد “عادة في الكتابة” يعني ذلك أن تبقى داجناً. الكتابة الإبداعية الواعية من سماتها تحب التحليق، التحليق الحر في ربوع جنان الجمال، وترفض التدجين والترويض.

‎الجمال والقبح

* في حياة العديد من المبدعين محطات غيرت خارطة طريقهم ودفعت بهم إلى عالم الشهرة. لنسأل أية محطة في حياة السباعي غيرت حياته ودفعت به إلى عالم الكتابة؟

ـ كرهي للقبح قادني للكتابة الواعية المغايرة، يقول الإمام علي بن أبي طالب (ع): “بقدر ما يحب الإنسان الجمال يكره القبح”، والمحطة التي غيرت حياتي كانت إبان حرب الثماني سنوات، إذ عشت حدثاً مروعاً فتح في قلبي جرحاً سيظل ما حييت. أنني مازلت أرى، رأي العين والقلب، ذلك اليوم القاتم من تاريخ بلدي الأكثر عنفاً ودموية وحزناً، حيث وقفت مهموماً وسط شارع الحبوبي في الناصرية، بعد خروجي من المدرسة وبرفقتي زميل لي، وعندما وصلنا ساحة الحبوبي التي يتوسطها تمثال الشاعر المجاهد (محمد سعيد الحبوبي)، مر رتل عسكري من اللاندكروزات والوازات والإيفات والفاونات تحمل الدبابات وناقلات الجند، الجنود يلوحون لطلاب المدارس والمارة المتعبين بعلامة النصر. شاهد زميلي مثلما شاهدت أمه الشابة الجميلة زوجة الشهيد، وقد وقفتْ أمامها سيارة نوع تويوتا “سوبر” حمراء اللون يقودها ضابط يضع على متنه ثلاث نجوم ذهبية، راودها، فصعدتْ إلى سيارته ونحن نتطلع مبهوتين بعيون سومرية سود تلتهب دماً، في أثناء مرور السيارة من أمامنا رمى الضابط عقب سيجارته بوجوهنا وراح عقب سيجارته يعربد في الهواء حتى تلقفته الأرض. سألت نفسي آنذاك كيف أنحاز وبشكل مطلق لمحنة الإنسان، أياً كان موقعه؟ ‎فكان هذا السؤال ثيمة جوهرية في كتاباتي… يومها حاولت أنْ تكون حياتي مثل حياة (ناظم حكمت)، من بدايتها حتى نهايتها كفاحاً مستميتاً عن المظلومين والمقهورين والمضطهدين، فكتبت أول قصة قصيرة في حياتي وذلك في الرابع والعشرين من نيسان عام 1984، وقد وسْمتها بعنوان “عربدة عقب سيجارة الضابط العراقي”. بهذه القصة أكون قد انتميت إلى الإنسانية. لحظتها أمسكت الخيط الشفاف غير المرئي بين علي السباعي الإنسان وبين الهامش المعاش في الشارع العراقي الساخن بالمتغيرات التي تهدر حياة وكرامة الإنسان.

وظيفة المبدع التغيير

علي السباعي، الذي يضع الأديب العراقيّ في مقدمة أدباء العرب، يرى أننا نعيش في مجتمعات متخلفة قامعة غير متحضرة، لا تؤمن بالإبداع، لأن الإبداع يغيّر، وظيفة الإبداع تغيير عقول الناس، وبالتالي تغيير حياتهم.
السباعي حصل على جوائز عدة منها ‎الجائزة الأولى في مسابقة برنامج “سحر البيان”، الذي أطلقته الفضائية العراقية عام 2006 .”

يقول عن ذلك: حصلتُ حينها على درع الإبداع الذهبي في القصة، وسميّت بقاص العراقية عن قصتي الموسومة بعنوان “رحلة الشاطر كلكامش إلى دار السلام”. وهو يتمنى أن تتحوّل قصته “مريم البلقاء” إلى فيلم سينمائيّ أو مسلسل تلفزيوني.

ضوء نبيل

تحدث السباعي عن مشاريعه التي ينشغل بها الآن، قائلاً “‎أنجزت كتابة رواية ومجموعة قصصية وصدرت لي مؤخراً مجموعة قصصية عنوانها “شهرزاد قدري” عن دار صافي للنشر والتوزيع في واشنطن. وسيكون الكتاب متوفراً في موقع دار صافي وموقع الأمازون بغلاف أنيق وطبعة فاخرة من الحجم المتوسط”.

لكلّ كاتب رسالة ولا بدّ، فماهي رسالة السباعي؟ يتحدث عن ذلك بقوله: “حلمي أن تضيء كتاباتي في هذه المجموعة حياة الناس، وأن تشكل تجربتي المتواضعة في كتابة القصة القصيرة ضوءاً نبيلاً يفتح حلماً يسهم بتوسيع مساحات الوعي الإنساني، لأن الوعي يعادل أهمية الحرية والسلام والخبز.
أسمع ما يفطر القلب

أخيراً سألناه: لمن وماذا تسمع؟

قال: “‎سماع الأغاني يكشف عُرينا وبؤسنا وهشاشتنا الداخلية “الروحية” يظهرنا الألم الذي في الأغاني عُزلاً وسط ظلمة النهار، نهار الوجود الإنساني، أسمع الأغاني لحاجة روحية بداخلي، أقوم باستدعاء الأغنية التي تحتاجها روحي، تلك الأغنية التي تلائم طقسي الروحي الداخلي لحظتها. لحظة انكساري الروحي، لحظة أحس بنقص روحي أستدعي أغنية حتى أعود علي السباعي من جديد. أسمع الأغاني لأنني فشلت في الحب، في أن أحِب وأحَب، طبيعي أن أسمع كوكب الشرق، والعندليب الأسمر، وقحطان العطار، وعبد الكريم عبد القادر. أسمعهم . أسمع كل ما يفطر قلبي.