القصيدة الشعبية تستعيد ألقها

739

كاظم غيلان/

كل شيء كان مغايرا للسائد، الاستقبال، الضيوف، الوجوه، اللافتات، الأغاني، وقبل وبعد كل شيء كانت قصائد الشعر الشعبي، التي استمعنا لها من شباب يغردون خارج سرب المألوف ويريدون تغيير النظرة النمطية السائدة عن الشعر الشعبي.
قصائد مهذبة في انتقائها لمفرداتها، مفعمة بالصور الذهنية والجمالية، خفيضة النبرة، لكنها مشحونة بقوة البلاغة الشعرية. ربما كانت هذه هي المرة الأولى التي نحضر فيها مهرجانا للشعر يخلو من صراخ الشعراء وسباقهم لاستدرار التصفيق.
هكذا كان (كرنفال بيادر) للقصيدة الوطنية، الذي أقيم في مدينة النجف الأشرف، مطلع الشهر الجاري، بحضور نخبة من الجمهور وبمشاركة شعراء غالبيتهم من الشباب، وقد حقق المؤتمر من خلال المشاركات هدفه في رد اعتبار ملحوظ للقصيدة الشعبية العراقية التي تلاقي انتقادات شتى من قبل النخب المثقفة بسبب التراجع الفني والمعرفي والحضور الطاغي للتهافت والشعاراتية.
لقد تبنى الجيل الشاب من الشعراء الشعبيين محاولات واعية وناضجة في استعادة جماليات الشعر الشعبي العراقي التي عرف بها، لاسيما بعد نهضة التجديد التي ابتدأتها تجربة الشاعر الرائد مظفر النواب، ولربما سيكتب النجاح لهذه المحاولات التي تمت بجهود ذاتية ودونما تمويل من أية جهة سياسية أو حكومية.

وقد تمثلت هذه النجاحات عبر كرنفال أبو سرحان الذي أقيم في البصرة و- قرابين مظفر النواب- في الديوانية وملتقى – نوم الهلاهل – في السماوة وكانت فعالية – بيادر- التي أقيمت في النجف محاولة أخرى حققت نجاحا ملحوظا.
لقد كان حضور ومشاركة عدد من الأصوات الشعرية والثقافية في مؤتمر القصيدة الوطنية في النجف شهادة على أهمية هذه المبادرة ودعما لها، إذ حضر المؤتمر الشعراء أسماعيل محمد أسماعيل، جمعة الحلفي، ريسان الخزعلي (الذي قدم مداخلة نقدية)، أبو وليد فضلاً عن الإسهامة النقدية التي قدمها الناقد د. علاوي كاظم كشيش ورصد فيها، بالإضاءة والتحليل، القصائد المشاركة، ما أضفى نجاحا مضافاً للفعالية.
القصائد المشاركة للشباب كانت معبرة عن وعي الكتابة وتأملاتها فقد حضر الوطن جميلاً هادئاً بعيداً عن المجانية والاستسهال الذي أعتاد عليه المتلقي، فهذا مصطفى الجناحي يقول:
كبل لاموت
تشربني الشمس رازونة أمعرسين
ينشف وجه كل تابوت
من تيبس أجتاف الطين
بينما يعبر زياد البصراوي عن الخسارة الحاضرة أو الراهنة بشكل جمالي آخر :
ضايك ناس جنهم هسه مخلوقين
رايح وين والبيبان تبجي اجفوف
بترجية ذهب غشوك
مو كل الولايه ازلوف
الصورة كانت هي الصفة الغالبة لمعظم القصائد المشاركة، وهذا علي الشمري:
أطوف أولاية الغربه
وأدور مامش بريجي بخت للماي
أسنين وآنه ذاك الصوت
مكسور أعله ضلع الناي
أسئلة مأخوذة بحيرة الشاعر، وصرخة يؤجلها الزمن المبتلى بالخسائر، ونهضة حالمة بما فات، تلك اشارات الوعي الشعري، وهذا علي الصفار:
يتبده أعله طولي أمناشد البيبان
وأدور بالوجوه أعليك
ماكلتك الفشله
وناس .. ماشموا وطنهم بيك
وكأنه يتلقى ذلك باجابة متزامنة مع – عباس الغالبي -:
هاي أسنين
آنه أزهك سواتر ليش
وانتي أمرورتج نعناع.