الكاتبة رشا فاضل: لا أحسن ارتداء الأقنعة

514

زهراء حسن/

رشا فاضل، كاتبة عراقية شابة أصدرت العديد من الكتب الأدبية في مجالي القصة القصيرة والرواية، وفازت روايتها (على شفا جسد 2012) بجائزة دبي، اصدرت العديد من الكتب الأدبية نذكر منها (أحلام كالفراشات) مجموعة قصصية ٢٠٠٣، (فيروس سردي) ٢٠٠٨، (رقصة فوق خراب الوطن) نصوص نثر ٢٠٠٨، (مزامير السومري) قراءات ٢٠٠٩، لها الكثير من النشاطات غير الكتابة أهمها العمل في مجال التنمية البشرية.

البحث عن الهوية

* بداية حدثينا عن النبع الاول الذي قادك الى عالم الكتابة وأعني طفولتك هل كان فيها مايدل على انك ستصبحين كاتبة ذات نهار؟

ـ شكّلت طفولتي المرحلة التأسيسية للكتابة، على الرغم من انني لم أكن أمارس الكتابة في طفولتي، إلا أنني كنت قارئة نهمة ومواظبة أقرأ كل ماتقع عليه يدي من مجلات للصغار، كنت اقرأ كثيرا، اكثر من المعتاد وكنت اجد في القراءة ملاذا وعوالم تمثّل كل ما أحببت ان أجده في الحياة، ومن هنا كانت البداية، فقد تشكّل خزيني السردي من تلك القراءات المتنوعة فاصبحت لغتي قادرة على التعبير ومحاورة الآخر، غير ان المربك في المرحلة التي تلت مرحلة الطفولة هو البحث عن الهوية، فقد كانت بداياتي في كتابة الشعر والذي كان اقرب الى الخواطر، بعد ذلك شرعت بكتابة القصة القصيرة وأصدرت مجاميعي، ثم ولجت الكتابة المسرحية ومن ثمة الرواية. ومنذ تلك السنوات المبكرة لم اكن أرى نفسي الا كاتبة، لعلّه القدر، او الموهبة التي تستدعي هذه الرؤية في حياتنا وتفاصيلنا.

صناعة الإبداع

* رشا المقيمة في بيروت، هل بيروت المكان الأنسب للكتابة والكاتب أم أن اختيارها جاء لأسباب اخرى؟

ـ حين يصبح الحديث عن بيروت ترتبك الكلمات بين اصابعي، فلا ادري كيف اكتب امتناني لها لبحرها وسمائها وأهلها.. لكل ذلك الأمان الذي احاطتني به حين جئتها طالبة الأمان والملاذ والبيت والوطن البديل، عندما احتل داعش مدينتي تكريت، فمنحتني الأمان والمستقر. ولايمكنني ان اختزل أهمية اختيار بيروت للإقامة فقط بهذا الحدث، فبيروت هي المكان الأنسب لكل الذين يمتهنون صناعة الإبداع والجمال لما توفره من مناخ حر ومتحضّر يتناسب مع روح المبدع التواقة للحرية والانسجام.

انعطافة مهمة

*دعيتِ الى باريس سنة٢٠١٧في عيد المرأة ؟حدثينا عن نشاطك في ذلك اليوم؟

ـ تشكّل رحلة باريس انعطافة مهمة في رؤيتي للكتابة ولما قدّمته من منجز، كانت باريس تكافئ كل ما عانيته في طريقي للكتابة كامرأة عربية تكتب في مجتمع عشائري ذكوري مغلق، كل تلك المعاناة الطويلة حضرت امامي في دار الكتاب الفرنسي وشعرت بأن باريس تحتفي بي وكأنها تقول: امضِ، فالكلمة الأخيرة للإبداع وأما الزبد فيذهب جفاءً.. وقد تمت دعوتي كوني مشاركة في كتاب (عيون إنانا) مع نخبة من الكاتبات العراقيات، حيث اعدّته ونشرته الصحفية الألمانية (بيرغيت سمبسون) بالتعاون مع معهد غوتة الألماني، وفي وزارة الخارجية الفرنسية كان لي حضور مع الصديقة الفنانة والكاتبة غرام الربيعي بدعوة من وزارة الخارجية الفرنسية للمشاركة بالاحتفاء بيوم المرأة العالمي، اما في المجلس الدبلوماسي الفرنسي حيث كانت استضافتنا التالية فقد تركز الاهتمام حول تنوير الشباب بأهمية الانتباه والحذر من الجماعات الإرهابية وطرق تجنيدهم التي يستخدمونها والكشف عن تلك الطرق التي تستميل هذه الفئة العمرية من الشباب وعرض ما فعلته تلك الجماعات من تخريب في البلاد. وتكمن أهمية ذلك اللقاء بايصال رسالتي الانسانية التي تنتصر للحياة وتحذر من احتكارها تحت انتماء او دين او عرق والتأكيد على أهمية المشاركة في بناء الأوطان وهذا ماتم طرحه أيضا في المانيا حيث كانت خاتمة جولتنا الثقافية في ضيافة صحيفة تسودورف.

أجناس أدبية

* فوزك بجائزة دبي عن روايتك (على شفا جسد)، ماذا أضاف لك؟

ـ تكمن أهمية جائزة دبي في اللجنة الرصينة التي قيّمت الأعمال، بالتالي هذا التقييم الذي يختار رواية ما دون سواها هو تثمين وتقييم للعمل واهميته، ومن ناحية أخرى فقد اثبتت لي ان الكاتب يمكنه الخوض في كتابة الأجناس الأدبية الأخرى مادام يمتلك الرغبة والقدرة وليس ضروريا ان يتقيّد داخل قالب تجنيسي معين رغم أن التجنيس مهم أيضا لمن لايجد في نفسه الرغبة في خوض غمار الكتابة في جنس أدبي آخر، فقد كانت هذه الرواية هي الاولى التي اكتبها بعد عدة إصدارات في القصة القصيرة وسواها، فكان ذلك مشجعا ومحفزّا للاستمرارية، والجوائز بشكل عام هي محفز للمزيد من العطاء والاستمرارية، غير انها ليست معيارا دائما لجودة العمل إذ يغلب على الجوائز اليوم للأسف طابع المحاباة والمجاملة والحسابات الأخرى وهي ابعد ماتكون عن التقييم الموضوعي الإبداعي.

التنمية البشرية

* كونك عاملة في مجال التنمية البشرية ،هل تعتقدين ان هذا المجال سيسيطر على العالم في السنوات المقبلة؟

ـ أكثر ما نحتاجه اليوم في عالمنا العربي هو التنمية البشرية ، فالتنمية البشرية تعني تنمية الصحة وتنمية المعرفة وتنمية العلم وتنمية الصناعة وتنمية الإبداع وتنمية الزراعة ، كل هذه أساسها وقوامها الإنسان، للأسف لاتوجد اية مؤسسة تعليمية تعلمنا كيف نجتاز ازماتنا الشخصية، كيف نواجه اثر الحروب في ذاكرتنا، كيف نحول المحنة الى منحة، هذا ماتفعله التنمية البشرية، علما انها اليوم تتعرض للكثير من التسطيح والمغالطات في عالمنا العربي فهي وافد جديد على المجتمع ومن الطبيعي ان تتعرض لأخطاء التطبيق والفهم، اذ نجد الكثير من الورش التنموية التي تقام دون ان تقدم شيئا حقيقيا مع منح مجاني للشهادات والألقاب حتى أصبحت التنمية البشرية عملَ من لاعمل له، وما عزّز هذه الفوضى هو عدم وجود تخصّصات علمية تفرض الدراسة الاكاديمية التخصصية للتنمية البشرية قبل الشروع بحمل الألقاب الفضفاضة كالمدرب الدولي وسواها.

التخلص من براثن الحروب

– تحدثتِ كثيرا عن الجذب وقانون التفاؤل الذي يجعل حياة البشر أفضل، كيف يستطيع المرء ان يطبق قوانين الجذب الإيجابية لبلدان مرت عليها الكوارث والحروب؟

ـ اليائس لايصنع حياة وكذلك الشعوب الغارقة في اوهامها وماضيها وخرافاتها، في الغالب اليائسون يميلون الى العيش في تلك المساحة المنقطعة عن الإنجاز، وهي مساحة مريحة تعفي قاطنيها من العمل والأمل، لذا أول الخير هو حسن الظن بالقادم وعليه تتأسس خطة النهوض والتغيير والتخلص من براثن الحروب، فلا شيء يمكن ان يحدث في الخارج مالم يكن مصدره الداخل وكذلك التحرر من التجارب المؤلمة، والحروب اقسى تلك التجارب، كل مانحتاجه هو التوعية بهذا الاتجاه، والاطلاع على النماذج العالمية التي نهضت من كبوتها مأخوذة بالأمل الذي وضعت له خطة وستراتيجية للوصول اليه فحققت أهدافها وطموحها، والعالم زاخر بهذه التجارب الناجحة، والأهم من ذلك كله هو قطع العلاقة مع تلك التجارب سواء أكانت شخصية أم غير ذلك، وعدم اعتبارها قدرا لاخلاص منه، ففي كل لحظة مشروع بداية حياة جديدة وإنجاز وبداية قادمة.

* ما اللقطة الأولى التي تجعلك تشرعين في كتابة القصة والرواية؟

ـ غالبا ماتأتي الحكاية محمّلة بهويتها وجنسها الأدبي، فتأتي القصة كاملة بأحداثها وكذلك المسرحية والرواية، اؤمن بأسطورة (عبقر) الجن او الملاك الذي يهبط على الكتّاب فيلهمهم ، الأمر ليس حرفة، كتابة القصة او المسرحية والرواية لاتشبه كتابة المقالة القابلة للتحوّل الى تمرين يومي، ففي كتابة الحكاية لا امتلك قرارا ولا يجدي انتظار، وكم من مرة هيأت الورق والحبر وكل ماتحتاجه الكتابة لتهبط .. ولم تهبط! وكم من مرة في زحمة العمل والانشغال شاغلتني واصرت على المجيء غير آبهة بمضايقتي ووقتي .. هكذا تأتي الكتابة ببساطة.

ضجيج على الورق

* حدثينا عن كتابك الجديد ومتى سيصدر؟

ـ روايتي الجديدة قادمة من اسطنبول.. هي التي اختارت اماكنها وحكايتها وشخوصها .. ولست الا راوية تجهل نهايتها وموعد انتهائها.

*سؤال اخير.. هل تشبه رشا الكاتبة رشا الإنسانة؟

ـ لا أحسن ارتداء الأقنعة، ليس لي الا وجه واحد وصوت واحد والنص الذي اكتبه يعبّر عني تماما، مع فارق اني في الحياة اكثر صمتا ولا أُحدث ضجيجا كالذي احدثه على الورق.