الكاتب والأديب وحيد الدين بهاء الدين: الأصالة والحرية كفيلتان بإنجاح المنجز الإبداعي

384

 جواد سليم  /

عزيزي التلميذ الأديب اللبيب وحيد الدين بهاء الدين حفظه الله تحية معطرة مني لك بالإعجاب والاستحسان والمودة. وبعد فقد سُلِّم إليَّ كتابك الجميل مؤخراً لأنّه كان معنوناً إلى المدرسة وهي في عاطل أيامها، وإنّي لأشكر لكم تلكم الثقة التي منحتمونيها، أكثر الله من أمثالكم”. هذه فقرة من رسالة للعلامة مصطفى جواد إلى ضيف مجلة الشبكة العراقية لهذا العدد وكان في الصف الثالث متوسط، مواليد كركوك 1929 الذي أمضى قرابة سبعة عقود أديبا وكاتبا وباحثا وصحفيا، أنتج خلالها عشرات الكتب سواء عن كركوك وشعرائها وصحفييها أو عن الرموز العراقية الثقافية فضلاً عن مقالاته الصحفية دون كلل وما يزال مستمرا في النشر في مجلة الإخاء (قارداشلق) وفي الصحف.
ليس سهلا محاورة مبدع بهذا العطاء، لكنّنا نبدأ من طفولته لإلقاء الضوء على البيئة التي ساهمت في منجزاته وليتعرف إليه القارئ.
* الأديب وحيد الدين بهاء الدين حدّثنا عن طفولتك؛ كيف بدأت ميولك للكتابة؟ من ساعدك؟ وأي المدن كان لها تأثير في صقل موهبتك الأدبية؟
– إنما كانت البداية منذ واصلت التعلم والحفظ لدى الملا الأعرج، في العطلة الصيفية بقلعة كركوك، ثم دخلت الروضة المختلطة الوحيدة في المدينة، الذي ساعدني في ذلك المغفور لهما الوالدان اللذان أظهرا وجودي في المضمار الأدبي والفكري كما ينبغي. كذلك كانت بغداد بعد انتقالي إليها عاملاً مباشرا في تجسيد موهبتي وصقلها كنتيجة طبيعية للمعاناة الروحية والوجدانية بألوانهما الشائقة، فضلاً عن تثبيت صلاتي بغير قليل من الأدباء والشعراء من الصحفيين والفنانين.
* تحدّثت كثيراً عن أساتذتك ومعلميك، وعن مستوى التعليم وأثره في اللغة والآداب؛ كيف ترصد تلك الإشكاليات في الوقت الحاضر؟
– كان القس افرام كوكي الذي رُسِّم مطرانا فيما بعد بالكنيسة المسيحية بقلعة كركوك يتولّى تعليمنا قواعد اللغة العربية على نحو رائع، وهي ليست ضمن المنهج الدراسي بمدرسة الطاهرة للبنين الواقعة في محلتنا المسمّاة “الحمّام”. بعد مدة بات من حسن حظنا أن يضطلع بتدريسنا اللغة العربية بثانوية كركوك للبنين المرحوم قاسم مصطفى، الذي عرف بتضلعه في اللغة بحيث أثنى عليه المفتشان العلامة محمد بهجت الأثري، والدكتور خالد الهاشمي.
أما في فرع اللغة العربية بالكلية، فقد تولى إلقاء المحاضرات علينا الدكتور ناصر الحاني والدكتور علي الزبيدي والدكتور علي الهاشمي والدكتور جميل سعيد والدكتور كمال نشأت المصري والدكتور عناد غزوان والدكتور عزيز شلال؛ على أني أدركت أن لكل محاضر أو أستاذ طريقة يحاول أن يفرضها على الطلبة، كما أن بعضهم كان يروم أن ينسف ادعاءات زميله هذا أو ذاك ويصفها بالرجعية أو السذاجة لا لشيء إلا لإثبات وجوده أو الاتصاف بالغرور والأنانية.
* كيف يرى الأديب وحيد الدين واقع الحركة الثقافية في كركوك والعراق بشكل عام؟
– كركوك مدينة عراقية ذات طابع تركماني كما تقول المصادر القديمة الموثوقة وكتابات الرحالة القدامى حتى أواخر الثلاثينيات الفائتة، كان المعلمون والمدرسون والمرشدون يلقون دروسهم ومحاضراتهم باللغة التركمانية على الطلاب وكنت أنا واحداً منهم، كما كان مديرو المدارس من أمثال نور الدين على توفيق؛ وإسماعيل حقي ونامق المفتي وأسعد النائب يصاحبون الطلبة في أناشيدهم وحركاتهم وحماساتهم..
* إلى أي مدى تأثر الأدب العراقي بالعربي أم إنَّ لكُتّابنا وأدباءنا استقلالا فكريا وأدبيا يميزهم؟
– إنّ التأثر ظاهرة محسوسة ومحسومة في عالم الأدب والفكر. لكن تسبقه نزعة التقليد؛ لتتحسس من بعدهما إمارات التجديد.. وإذا كان الأدب العراقي تأثر بالأدب العربي؛ فإنّه تأثر أكثر ببعض الآداب العالمية كالأدب الانكليزي والفرنسي والتركي؛حتى أفضى به ذلك كله إلى استقلالية شعرائنا ومفكرينا وأدبائنا في ما يؤلفون ويصدرون.
* ما النصيحة التي توجهها إلى الأدباء والمفكرين الشباب في كركوك خصوصاً والعراق عموماً؟
– النصيحة التي أسديها لنفسي؛ أسديها في الوقت ذاته إلى الأدباء الشباب بكركوك على وجه الخصوص وإلى العراق على وجه العموم، وهي أن يواصلوا المطالعة الجادة والمتابعة المستديمة تعميقاً للثقافة الذاتية وتوسيعاً للمدارك ثم الاختلاط الواقعي المستمر بالزملاء وأرباب العلم والاهم من ذلك بقادة الفكر وروّاد المعرفة وأصحاب العلم وأساطين المثل والقيم.
* هل حافظ الأدب والفكر في كركوك على هويته؟
– كركوك مدينة هادئة على الأكثر؛ وكانت شخوص ونفوس تلتجئ إليها بحثاً عن الاستقرار والأمان لشعورهم بالخطورة بمدنهم التي كانت تغطيها غيوم سود مخيفة؛ غير أنّ كركوك ظلت صامدة أمام هذه الحالة لكي تحافظ على سمعتها وهويتها بفضل الله تعالى وتبارك وبتضامن أبنائها البررة العقلاء.
* لنعد ونتحدث عن الأديب الكبير وحيد الدين؟ لمن تكتب؟ وما الذي تهدف إليه من وراء أرشفتك لسير الأدباء العرب؟
– الذي أؤمن به أن الباحث أو الكاتب.. الشاعر أو الفنان لا ينبغي له أن يحصر انتاجاته وكتاباته في طائفة أو جماعة أو فئة أو بلدة إعلانا عن موهبة أو رغبة أو خدمة؛ إنما عليه إن يسخّر طاقاته ويكشف عن شجاعته الأدبية وتقديره وتكريمه لكل الأدباء الخيريين المستأهلين دون حصر وتحديد ما يوائمه للغاية ومشاركاً في تشييد نهضة ثقافية إنسانية ورائعة وخالدة عبر الزمن؛ على إنني وبمنتهى الصدق والصراحة حاولت أن أكون شيئا ولو طفيفا من هذا كله من خلال مؤلفاتي المطبوعة التي بلغت واحداً وعشرين كتاباً فضلاً عن منشوراتي في الصحف والمجلات العراقية والعربية والمهاجرية والتركية وما إلى ذلك.
* لكل مفكر وأديب إيديولوجيا خاصة به، إلى أي ايديولوجيا ينتمي فكر الأديب وحيد الدين؟
– كنت في مقتبل الشباب رومانسيا بفعل تأثري بالأدب المهاجري غير أني بعد تجارب ومعاناة وجدتني انتمي إلى المذهب الواقعي الصريح مستمرا عليه حتى اليوم. إنما الواقعية هي الجسر المفضي إلى الانتشار والانتصار؛ يزيده إيقاعا وإحساسا الأسلوب الوجداني الهادئ الخالي من الافتعال والتكلف.
* النجاح هو حلم كل كاتب وأديب ومفكر. ما المؤثرات التي تمنح العمل الأدبي النجاح النقد أم ذائقة المتلقي؟
– لا شك أنّ العمل الأدبي والفني والفكري لا يمكن أن ينجح ويسود إلا بالأصالة والجمالية.. بالحقيقة والفطرة والحرية التي يلتزم بها ويصر عليها إعلانا عن استقلاليته.
* في ضوء ما يشهده الوطن العربي من متغيرات هل أخذ الأدب دوره المطلوب في إرساء قيم التسامح والمحبة وتقبل الآخر؟
– يستحيل للأدب والمفكر أن يؤديا مهماتهما على الوجه الأكمل في أجواء الإرهاب والإرهاق؛ بدلاً من مناخ الحرية والاستقلالية؛ على أن الأدب وعلى نحو عام استطاع أن يضطلع بدوره وعلى قدر حال في ترويج وترسيخ روح التسامح والمحبة بين الخلائق وتقبّل الآخرين وتحملهم بما يستطاع.
* ما الذي تعنيه قلعة كركوك للأديب وحيد الدين بهاء الدين؛ قبل هدمها وبعدها؟
– القلعة رمز كركوك التاريخي والحضاري؛ وموئل القُصاد والعُواد ومجمع علماء الدين والدنيا.. وللتمثيل أدرج هذه الرباعية التي قبلت فيها؛ وزانت بها الرؤوس والنفوس.
بيز واريغ
بيز كماليغ بيز واريغ
نه بيزلرسز قلعه وار
نه قلعة سيز بيز واريغ
من هنا لا أدري ولا المنجم يدري ماذا ينتظر الكركوكلي والعراقي مني؛ كل شيء في طيّ المجهول.. في ضمير الغيب؛ والغيب لا يعرفه إلا الله الواحد القهّار؟!
* تتلمذت على يد مصطفى جواد إلي أي مدىً أثر فيك وهل سرت على خُطاه؟
– عرفت الدكتور مصطفى جواد عبر برنامجه “قُلْ ولا تقُل” الذي كان يقدمه من الإذاعة العراقية وفي شهر شباط عام 1949 زرته بدارته ببغداد فرحبّ بي كل الترحيب. ثم بدأت أراسله في قضايا اللغة والنحو فيجيب عني بتواضع آسر وذكاء نادر وبعد انتقالي إلى العاصمة كنت التقيه بدار المعلمين العالية وهو بها أستاذ مشهور أو في مكتبة الآثار أو المجمع العلمي العراقي أو في بعض الاجتماعات والحفلات. بعد رحيله الأبدي وهو مصاب بداء القلب؛ وضعت فيه كتاباً قائماً بذاته عنوانه.. مصطفى جواد فيلسوف اللغة العربية وخططي بغداد الفرد” نال من النقّاد والكتاب اهتماما ظاهرا على أنّه طبع منه طبعتان؛ أصدرت الأولى المكتبة الأهلية بشارع المتنبي لصاحبها شمس الدين الحيدري؛ في حين تولت الجبهة التركمانية بكركوك إصدار الطبعة الثانية.
* كيف هي علاقتك بالفن والموسيقي لا سيما أن أحد أخوتك فنان؟
– من غير اعتزاز، أنا بطبعي ميّال إلى الفنون عامة؛ والموسيقى والغناء خاصة أنَّ هذا لا يرتبط بسبب أو صلة بما كان عليه شقيقي علي قلعه لي وهو الذي ذاع اسمه وشاع رسمه في المحيط التركماني؛ من هنا صنع نفسه بجهوده وإتقانه وتطلعه إلى الأمام بلا تردد وبلا تخاذل.
* ما الجديد الذي ينتظره القارئ الكركوكلي والعراقي منك؟
– إني أمارس الكتابة والإنتاج الأدبي والفني.. النقدي والاجتماعي منذ عام 1947 من تلقاء ذاتي دون إشارة من هذا أو تأثير من ذاك؛ كما يفرضه عليَ موقفي أو إرادتي ورغبتي. إلا أن هناك حالات نادرة يقترح بها علي ويرجى مني أداؤها وإنجازها خدمة للشعب والتاريخ؛ وهذا هو الأهم.