الكاتب والإعلامي قيس حسن: الدكتاتورية تسلب إرادة الإنسان وحريته

69

حوار أجراه: علي السومري – تصوير: كرم الاعسم /

يكتب كمن يؤرشف تأريخ بلد دمرته الديكتاتورية وجرائمها، وأنهكته سنوات جوع وحروب عبث طويلة، وغزوات ظالمة وخاسرة، يكتب كمن يحاول أن يوثق خيبات هذا الوطن الكثيرة، وطن ابتلي بالدم والموت والنار والهجرة.
إنه الكاتب والإعلامي قيس حسن، الذي حين تطالع كتبه ومنها (تحت سماء الشيطان) و(جبنة في علبة كبريت)، ستجد فيهما كثيراً من القضايا التي تكشف عما يجري في المجتمع وثقافته في العراق، كتب تسلط الضوء على أزمات عاشها الفرد العراقي وهو يرزح تحت ضغط هائل وسياسات ظالمة استمرت حتى بعد سقوط الطاغية عام 2003.
مجلة (الشبكة) ارتأت إجراء حوار معه لتسبر فيه عوالم كاتب وثّق وأرشف فواجعنا الكثيرة جداً، حوار ابتدأناه بسؤال:
•كتاب (تحت سماء الشيطان)، نلاحظ أنه نصّ اعتراف بما أصابنا من أمراض الديكتاتورية، كيف تعلق على ذلك؟
-الديكتاتورية من أقسى أنظمة الحكم بلا شك، ولا يمكن أن يمر بها شعب من الشعوب دون أن تترك فيه آثارها السيئة، وأقصد بها الآثار الاجتماعية والسياسية والنفسية، وأول ضحاياها وأهمهم فقدان الحرية بعناوينها كلها، هذا من الجانب النفسي – الاجتماعي، وهي مشكلة لها تداعياتها الكثيرة، لأن الديكتاتورية تعمل على فكرة الإخضاع الكامل للشعب، وتدمير إرادته، وفقدان الحرية لا يتوقف عند الحرية السياسية فقط، بل يصل إلى مديات غير معقولة، حتى مرحلة لا بد من أن تصيب أساس المجتمع معبّراً عن ذلك بفقدان الثقة والانسجام والتواصل الطبيعي بين أفراد هذا المجتمع، وبما أن فقدان الثقة بين الأفراد هو النتيجة الحتمية للأنظمة الشمولية، إلا أنه مهم وأساسي ومقصود كهدف من قبلها، فهو أحد أسباب محاصرة الأنشطة السياسية ومراقبتها. ولذلك يلاحظ أنها لا تسقط بفعل حراك شعبي سياسي إلا نادراً، بل تسقط بفعل حروب أو مؤثر خارجي، أو بفعل تحول سياسي جذري يشبه الثورة من داخل النظام نفسه، وهي ثورة هادئة، تحافظ على النظام وتعمل على بقائه، وما سبّب هذا التحول هو سياسة القمع والتنكيل، وفكرة تحويل المجتمع من مجتمع مفتوح إلى مغلق، ومن مجتمع تواصلي طبيعي إلى مجتمع مرتاب وخائف وفاقد للإرادة، وهي ليست نتائج عرضية بل هو هدف أساسي من أهداف الأنظمة الديكتاتورية، وارتكازها على العنف كفعل أو سلوك سياسي أساسي وجوهري، للوصول إلى المجتمع الخائف والمرتاب، وفي العراق كانت تجربة صدام واحدة من أقسى التجارب في العصر الحديث، وما جرى فيها من تدمير متواصل وجذري لمقدرات البلد ولموارده أشهر من أن نعيد الحديث عنه، لذلك جاء سعيي للكتابة عنها من خطورة وقسوة ما فعلت وما تركت على البلد والمجتمع. وتوثيق بعض ما شاهدت ربما يكون وثيقة سليمة للمستقبل وشهادة شخصية قد تفيد في دراسة التجربة (الصدامية)، رغم أنها مشاهدات شخصية ويوميات، إلا أنها قدمت شيئاً بسيطاً في قضية خطيرة، وهي تجربة نظام حكم صدام حسين.
•للحرب حضور واضح في ما تكتب، إذ تقول: “هنا في هذا البلد لا تمحو آثار الحروب سوى الحروب”، برأيك هل ما زلنا نعيش هذه الحروب حتى اللحظة؟
– الحرب العراقية – الإيرانية نستطيع أن نسميها إعلان موت العراق الحديث، حربٌ أنهت وأنهكت مفاصل الدولة ومواردها، وحولتنا إلى بلد فقير منهك بديون كبيرة، هذا من الجانب المادي والاقتصادي، وفي الوقت نفسه رافقها عنف داخلي وتنكيل كبير، كنا بين فكي الحرب والعنف، كان نظام صدام يقاتل ويقتل العراقيين على الجبهتين، الخارجية والداخلية، والحرب مع إيران قادت إلى ما نحن فيه اليوم من خراب وتدهور، ولأن العراقيين لم يستريحوا منها حتى دخلوا حرباً أخرى هي حرب الكويت، لذلك أعتقد بأن الحروب في هذا البلد لا تمحوها سوى الحروب، فكيف أفلت من الحرب وأنا أعيش وسط نارها وبين ضحاياها، وخلف جبهاتها، وبين خرابها، الحرب تحولت إلى قدر للأسف، والخلاص منها ومن آثارها هو أولى خطوات المستقبل الصحيح أو الطريق الصحيح.
•هل ترى ثمة تشابهاً ما بين الديكتاتورية والحروب، ومن أين ينبع هذا التشابه؟
-لا أظن أن هناك تشابهاً بين الحرب والديكتاتور، للاختلاف الأساسي بينهما، لكن هل الحرب أقرب للديكتاتور أم السلام؟ أجد هذا السؤال منتجاً أكثر. نعم بالعودة إلى سير الديكتاتوريين في العالم، نجدهم أقرب إلى الحرب منهم إلى السلام أو بالأصح هم مع العنف قبل أي شيء آخر، وربما تكون حروبهم داخلية أو خارجية، لكنهم دائماً مع استخدام أقصى درجات العنف، وهذا ما يجعلهم أقرب إلى الحرب منهم إلى السلام، واقرب تصور لهذا هو مبدأ عسكرة المجتمع بكل مفاصله، ذلك أن العسكرة هي استعداد دائم للحرب، وهي توثب يهيئ المجتمع للحرب، العسكرة هي حرب متوقعة، أو حرب منتظرة. وما فعله صدام في مسار عسكرة المجتمع والدولة واضح ومشهور، فأنّى التفتّ تجد عسكراً وخاكياً، في الفن، في المناهج الدراسية، في الرياضة، في الشوارع، في الأدب والثقافة عموماً، فضلا عن السياسية، عسكرة مثل هذه جعلت منا ثكنة عسكرية يديرها الحزب وأجهزة الأمن… وكنا شهوداً على سطوة رجال الأمن والحزب على بقية المؤسسات المدنية. كانوا في الحقيقة سلطة فوق كل السلطات.
•في كتابك (جبنة في علبة كبريت) وثّقت قضية العراقيين الذين وقعوا في أسر الجيش الإيراني، إبان الحرب العراقية – الإيرانية، ما أسباب اهتمامك بهذا الأمر؟
-قضية أسرى الحرب العراقية – الإيرانية هي قضية شديدة الحساسية والألم، فهولاء عاشوا سنوات معتمة، سنوات من القهر والعنف يصعب عبورها وعدم التوقف عندها، هم ضحايا منسيون، بل ربما أقول بعبارة أكثر صراحة كانوا ضحايا مرتين؛ ضحايا سنوات الأسر وقهره وضحايا ليس النسيان بل ضحايا عدم الاهتمام والاستخفاف بهم ووصفهم من المجتمع أحياناً بأنهم مرضى نفسيون وملوثو العقول، كثير منهم نبذوا أو أهملوا، أو تعومل معهم ببرود وعدم اكتراث، لذلك كنت أشعر بمسؤولية معهم، أشعر أن عليّ أن أحوّل تعاطفي معهم إلى شيء حقيقي، إلى وثيقة. وهذا ما فعلته في كتابي “جبنة في علبة كبريت” إذ تناولت فيه قصص ثلاثة أسرى عاشوا عشرين عاماً في الأسر، وعانوا ما يصعب تخيله من أحوال وأهوال.
•ربما تُصنّف كُتبك ضمن ما يسمى بالسير اليومية، وهذا النوع من الكتب عده كثير من الباحثين مهماً جداً لتوثيق ما مررنا به، ماذا تقول؟
– كتابة السيرة الذاتية أو اليوميات فن أدبي ليس له انتشار في العراق للأسف، لأسباب كثيرة، منها طغيان الشعر والرواية، وسيطرتهما الكبيرة على المشهد والمنتج الثقافي. وربما يمكن القول إنه فن يحتاج إلى صراحة وصدق ولا دخل للخيال فيه، وهذه تخالف الإرث الثقافي العربي عموماً، وهو إرث يميل إلى الشعر وبلاغته، والقصة وفحواها وما خلفها، ويميل إلى الخيال وليس الحقيقة. فضلاً عن ذلك فإن القارئ العربي على العكس من القارئ الغربي، يميل إلى الأدب “الشعر والرواية” (لاحظ الجوائز الأدبية وكيف تختص بالشعر والرواية وليس هناك جوائز للسير واليوميات) أكثر من ميله إلى السير والروايات وهذا ما أضعف مجال السير، وجعلها في مرتبة ثانية.
•ما الأقرب لروح قيس حسن، الكاتب أم الإعلامي؟
– الأقرب إلى نفسي الكاتب وليس الإعلامي، الإعلام وظيفة، والكتابة هواية أو حب أو رغبة، الإعلام محرقة للجهد رغم أهميته وخطورته لكن العمل فيه يمر مرور الكرام، فور انتهاء البرنامج يذهب إلى النسيان، على العكس من الكتابة والتأليف فذلك عمل متجدد الحضور، ومتواصل العطاء، نعود إليه باستمرار ويشاركنا غرفنا وأثاثنا، فهو جزء من حياتنا ومن تفاصيل يومنا، لأنه باقٍ والعمل الإعلامي متغير.
•ما جديدك؟
– لديّ عمل في طور الانجاز وهو عن يوميات معلمي في الابتدائية، ربما يرى النور نهاية هذه السنة، إن انشغالي بالعمل الإعلامي يأخذ مني كثيراً ويستهلك الوقت الذي أحتاجه في الكتابة والقراءة، ربما نحن الذين نعمل على الكتابة والبحث دائماً ما نواجه تحدي التفرغ له، لأننا منشغلون بعملنا الذي يوفر لنا مصدر العيش والاستقرار، ولذلك تلمس أن من لديه اهتماما بالكتابة والتأليف يعاني على الدوام من ندرة الوقت الذي يحتاجه ليتفرغ للكتابة.