الكاتب والباحث والروائي محمد غازي الأخرس: عوالم المهمَّشين لم توثق في الأدب بما يوازي آلامهم وعمقها

31

حوار أجراه: علي السومري /

مبدع امتاز بالكتابة عن طبقة المسحوقين والمهمّشين في المجتمع العراقي. ولد في بغداد العام 1967، وعاش طفولته بين منطقتي جميلة والشيخ عمر التي ولد فيها، تخرج في كلية اللغات عام ١٩٩٤ قسم اللغة الفرنسية، حصل على شهادة البكالوريوس ثم الماجستير فالدكتوراه في الأدب العربي. كتب الشعر منذ نهاية الثمانينيات ونشر في الصحف العراقية والمجلات العربية منذ عام ١٩٩٠، جرب كتابة الدراسات النقدية ابتداءً من عام ١٩٩١.
أصدر ديوانه الشعري (شمعون.. نصوص حرجة) بطريقة الاستنساخ في عام 1997، وفي عام ١٩٩٩ نشر بياناً شعرياً في مجلة الطليعة الأدبية عما أسماه (النص الحرج)، وهو نصّ جامع للأجناس. هاجر من العراق عام 2000، وأعلن معارضته للديكتاتورية ونظام البعث المقبور. عمل في مجلات وجرائد المعارضة للنظام مثل : (الزمان)، (بغداد)، مجلتا (أوراق ثقافية) و(المسلة)، كما عمل محرراً في المسلة وأوراق ثقافية. عاد إلى بغداد بعد سقوط الطاغية عام 2003، وعمل في صحف عدة بينها (بغداد) و(الصباح) و(الصباح الجديد) و(العالم).
كما عمل في عام ٢٠٠٤ في قناة الحرة معداً لبرنامج (أبواب) حتى عام ٢٠١٨، ليلتحق بعدها بالعمل في قناة (العراقية الإخبارية) معداً لبرنامج (صفحة جديدة)، وبرنامج (العاشرة) مع الزميل كريم حمادي.
أصدر كتباً عدة منها: (خريف المثقف في العراق) عن دار التنوير عام ٢٠١١، وكتاب (المكاريد) عن دار التنوير عام ٢٠١٢ ، و(دفاتر خردة فروش) عن دار التنوير عام ٢٠١٣، (وقصخون الغرام) عن دار التنوير عام ٢٠١٦، و(السيرة والعنف الثقافي) عن مركز دارسات جامعة الكوفة عام ٢٠١٧، ورواية (ليلة المعاطف الرئاسية) عن دار الحكمة في لندن عام ٢٠١٨، وكان آخر إصداراته كتاب (جحيم المثقف.. الثقافة والآيديولوجيا في العراق) عام ٢٠٢١.
إنه الشاعر والكاتب والباحث والصحفي محمد غازي الأخرس، الذي أجرينا معه هذا الحوار في “مجلة الشبكة”، حوار ابتدأناه بسؤال:
•بداتَ بالشعر ثم النقد والبحث ثم الرواية، أي هذه الفنون هو الأقرب إلى روحك؟
ـ لاشك في أن الشعر هو الحبيب الأول، بحسب بيت أبي تمام الشهير، أحنُّ إليه كثيراً، لكنني لم أعد أضعه في أول سلم أولوياتي، تراجع وأصبح شغفاً شخصياً، أحياناً وبدون أن أقرر، أمسك الورقة والقلم وأكتب شيئاً، ومرات أخرى أكتب في (التلفون)، وقد تستغرب إن عرفت أنني أنسى قصائدي ولا أتذكرها إلا بالمصادفة. أما الآن فإن الأقرب إلى روحي هي الكتابة النقدية والمقالية، ولاسيما في حقلي الأنثربولوجيا والتراث الشعبي. إنها همٌّ دائم يتصدر اهتماماتي دائماً، حدث هذا الأمر في العشرين سنة الأخيرة. هناك أيضاً الكتابة للصحافة والإعلام التي هي مهنتي حالياً، مهنتي التي لا أجيد سواها، أنا أعشق هذا المهنة ومحظوظ أنني أجدتها وارتبط بها مصيري.
•نعرف جيداً أن الشعوب الحيّة دائماً ما تحتاج الى توثيق ما مرت به من ازمات وحروب وكوارث، هل نجح العراقيون بتوثيق جحيمهم المستمر منذ اكثر من خمسة عقود؟
ـ إلى حد معقول، نجحوا في توثيق جزء بسيط مما مرّوا به، لأن ما مرّوا به لم يمرّ به شعب آخر، ويحتاج جهود مؤسسات كبرى لتوثيقه إبداعياً وثقافياً، الملاحظ هنا أن من نجح في تدوين بعض تلك الآلام هم الأفراد وبفنون فردية، كالرواية والتشكيل والشعر، أما الفنون الجماعية التي تحتاج عملاً مؤسسياً كالسينما والتلفزيون والمسرح فللأسف، لم تستطع هذه المؤسسات تدوين الشيء المهم مما مررنا به من جحيم مستمر، هذا راجع إلى غياب أو ضعف تلك المؤسسات، والضعف لا يتعلق بإمكانياتها بل برؤاها وستراتيجياتها.
* في كتابك (خريف المثقف)، سلطتَ الضوء على العنف وانساقه في الثقافة العراقية، وهو كتاب اثار هزّة عنيفة لقناعات الكثير من القراء، برايك هل مازال العنف وما يصاحبه من قسوة موجوداً في أدب ما بعد ٢٠٠٣؟
– نعم، بكل تأكيد، العنف الثقافي ما زال موجوداً ولربما بدرجة أقسى! لأن الظروف الموضوعية المنتجة للعنف لم تغب أو تتغير، الأبناء أعادوا إنتاج عنف الآباء وبآليات جديدة ومقولات مختلفة، الأفكار قد تكون تغيرت، لكن العنف وأنساقه ما زالا فاعلين، أنت تعرف جيداً أن عراق ما بعد صدام مرَّ بفصول مرعبة من العنف، بدءاً من الإرهاب وعملياته الدامية مروراً بالحرب الطائفية التي جعلت القلوب أقسى، واستخرجت من أرواح الجيل الجديد أسوأ ما فيها. إن ما جرى عند حاملي الأسلحة الفعلية جرى مثيله عند حاملي الأسلحة الرمزية من مثقفين، فكان أن أنعشت الظروف الجديدة روح العنف الثقافي عند هؤلاء المثقفين، ظهر ذلك واضحاً في لغتهم الحادة وغياب روح التسامح في رؤاهم الضيقة، لا أتحدث بالمطلق، لكن أقول إن غالبيتهم اندرجوا في هذا السياق وتمثلوه.
* من يقرا كتبك يعرف شغفك بالمسكوت عنه في ثقافتنا، ولاسيما كتابك (الماريد) الذي نبشتَ فيه حيوات اناس تم تناسيهم عمداً ومحوهم من ذاكرة الموسسات الرسمية وثقافتها، ما الذي أغراك بفتح بوابات هذه العوالم؟
– ما أغراني في ذلك هو أنني عشت في بيئة فقيرة، بالرغم من أنني من عائلة متوسطة، فقد كان (المكاريد) يحيطون بي من كل جانب، في المدرسة وساحات اللعب، في العمل وفي الدراسة الجامعية. ما لاحظته بعد تكون وعيي أن عوالم هؤلاء المهمّشين لم توثّق في الأدب بشكل يوازي حجم الآلام وعمقها. كنت أعجب من شأن المثقفين ممن تصدوا لمهمة الكتابة وملء ذاكرة الثقافة، فهم اكتفوا بتدوين حيوات الطبقتين الوسطى والثرية، لا في السرد فقط، بل في الكتابة المقالية والدراسات، وحتى في الفنون المرئية غابت حياة المهمشين إلا نادراً. لاحظت ذلك كما لاحظه غيري، وحين تسنّت لي فرصة كتابة شيء عنهم استثمرتها ورحت أوثق ما رأيته وعرفته؛ سواء في كتبي ومقالاتي أو في الأفلام الوثائقية التي صنعتها أو في البرامج التي أعدها، وكنت مستمتعاً بذلك لأنه شغف قديم لكنه متجدد.
* قلتَ موخراً في حوار صحفي بشان كتابك الجديد (جحيم المثقف)، الذي سيصدر قريباً، ما معناه إن الصراع الايديولوجي بين اليساريين والقوميين وتهميشهم للمستقلين في القرن الماضي، افقد الثقافة اهم صفة يفترض ان تتصف بها وهي الحرية، برايك هل ما زال هذا الصراع موجوداً أم أنه ارتدى ثياباً جديدة اليوم؟
– نعم، الصراع الآيديولوجي ما زال موجوداً، لكنه أخذ اشكالاً جديدة، فهو مرة يظهر على شكل صراع طائفي يوظف الثقافة لإدامته أو تبريره وتقديم الوقود الفكري له، ومرة يظهر على شكل استقطاب سياسي حاد بين جبهتين أو خندقين، واحدة علمانية وليبرالية والأخرى دينية. من المحزن أن الصراع الآيديولوجي، كما كان في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، ينحدر غالباً باتجاه تخوين هذه الجماعة لتلك في أنها تمثل قوى خارجية، وهو ما يجري اليوم مثلاً بين المثقفين من الضفتين، ضفة هذا المحور بمواجهة ضفة المحور المضاد. نعم، أيامنا هذه امتداد لأيام آبائنا، الآيديولوجيا تحركنا وتستولي علينا.
* عمدتَ ان تكون عوالم (ليلة المعاطف الرئاسية)، روايتك الأخيرة، عوالم غرائبية، هل هي محاولة للابتعاد عن الواقعية والتوثيقية التي امتازت بها كتبك السابقة؟
– ربما ما تقوله صحيح، هو نوع من التعويض أمارسه دائماً، الكتابة حلٌّ لتسريب ما نمرُّ به من أزمات نفسية وثقافية. أتعرف، مثلاً، أن كتابي (قصخون الغرام) كنت كتبته لأدحر به شعوري بالاختناق من دخان الانفجارات ومزاج الموت الذي عشناه في العراق؟ قلت هذا في مقدمة الكتاب مبرراً التفاتي لعوالم العشاق بينما القتلة يتجولون في الشوارع والحارات. الشيء نفسه ينطبق على روايتي (ليلة المعاطف الرئاسية)، إنها هروب من الواقعية التي أحرص على البقاء في مضمارها طوال الوقت، سواء في كتبي التي تقوم على الحفر في الوثائق أو في عملي الإعلامي الذي يقوم أيضاً على البقاء في الواقع. نعم، ملاحظتك في الصميم.
* لنتحدث عن الصحافة والاعلام، ما الذي منحاك اياه وما الذي سلباه منك؟
– الصحافة والإعلام منحاني الكثير والكثير جداً، حياتي تقوم عليهما منذ سنوات طوال، عمّقا معارفي وجعلاني أقف على أرض صلبة، عرّفاني على الكثير من الأنقياء والمهنيين والعباقرة، من أساتذة كبار وزملاء ملأوا حياتي بالنشاط والمعاني الكبيرة. أما ما سلباه مني فليس الكثير، ربما سلباً بعض صحتي، عيناي تدهورتا بسبب شاشات الحاسبات واللابتوب وأخيراً التلفون، سلبا مني بعض هدوئي، ولاسيما بعد عملي في البرامج السياسية، فأنا مضطر لقضاء ساعات لمتابعة الأخبار وقراءة التحليلات، وهذا أخذ مني وقتاً كنت سأخصصه لإكمال كتبي العديدة التي تنتظرني، مع هذا أنا أحب حياتي وعملي ولست مستعداً لتغيير مساريهما.