الكاتب والناقد علي سعدون: الشعر ما يزال عظيماً.. وسيظل

24

حوار : علي السومري /

ناقد وكاتب، يُعد واحداً من الأسماء المهمة في النقدية العراقية، يعمل بصبر وتأنٍّ، وعلى الرغم من انشغاله المعرفي بمشروعه الثقافي، لكن ذلك لم يمنعه من أن يكون فاعلاً في النشاطات الاجتماعية والمدنية، سواء في مدينته العمارة أو حتى في العاصمة بغداد.
مثقفٌ يؤمن بأن قوة الشعر وديمومته وتطوره ستمكنه من منافسة السرد والبقاء إلى الأبد، بعد هيمنة السرد على الساحة الثقافية، وأن مواقع التواصل الاجتماعي هشمت فكرة الهامش والمركز في الثقافة العراقية.
إنه الناقد والكاتب علي سعدون، المولود في مدينة العمارة العام 1968، الحاصل على شهادة البكالوريوس في الآداب والتأريخ، أصدر في النثر كتباً عدة من بينها: (الغياب العالي)، و(إصغاء للمنفى)، و (أكثر من مياه)، أما في النقد فأصدر (جدل النص التسعيني)، ولديه كتب أخرى قيد الطبع، وهو يعمل اليوم محرراً في مجلة الأقلام التي تصدر عن دار الشؤون الثقافية.
ولتسليط الضوء على منجزه الإبداعي، ارتأت “مجلة الشبكة” إجراء هذا الحوار معه:
*يقال إن واحداً من أسباب نكوص الثقافة العراقية غياب النقد، ما قولك؟
-ربما نتفق جميعاً على اجتراح مثل هذا، نعم، يتحمل النقد وزر النكوص الذي طرأ على فعاليات ثقافية كثيرة منذ عقود، لا أعني بغياب النقد عدم وجود فعاليات نقدية تلاحق النص الأدبي، إنما أعني -على وجه الخصوص- غياب المشروع النقدي. الثقافة العراقية تحتاج إلى مشاريع تعمل على تغيير الوجهة الثقافية -إذا جاز التعبير-، وهذا الأمر لا يأتي من خلال مادة نقدية مكتوبة هنا أو هناك، ما نحتاجه هو مشروع نقدي يعارض ما اعتدنا إنتاجه من جماليات وزخارف وكلائش أدبية .. أعتقد جازماً أن غياب هذا المشروع جعل الثقافة العراقية تراوح في مكانها لعقود طوال.

السردية العراقية
* كيف ترى السردية العراقية اليوم؟
-السردية العراقية اليوم من أهم السرديات العربية، ثمة تغاير في أداء الرواية والقصة القصيرة عما كانت تنتجه في أزمان غابرة، هذا الموضوع ليس غريباً بسبب التراكم الإبداعي لهذين النمطين من الكتابة – لقد مرت مئة عام على كتابة أول قصة عراقية -، هذه المسافة الزمنية الطويلة جديرة بإنتاج الكم والنوع على حد سواء.. إضافة إلى ذلك، فقد وجدت السردية العراقية نفسها منذ العام 2003 أمام مناطق معتمة تحتاج إلى تفكيك وتحليل وجدل ومعاينة، هذا الأمر كان حافزاً مهماً على القيام بحفريات من خلال السرد في الحياة العراقية.
سنتفق أن الرواية العراقية اليوم بمثابة درس من دروس السوسيوثقافي، هي بالضبط واحدة من أهم وسائل التعبير باللغة، وهي خليط هائل من التحليل النفسي والاجتماعي والتاريخي، الرواية كل هذا وأكثر، أشير أيضا إلى أن الرواية العراقية قد لفتت الانتباه كثيراً بعد ترجمة العديد من نماذجها إلى اللغات العالمية الحية، وحصول عدد من كتـّاب السرد العراقي على جوائز عربية وعالمية كانت إضافة مهمة تلفت انتباه المتابعين والمعنيين والقراء .

تكرار ونمطية
* هل حقاً أن هذا الزمن هو زمن الرواية لا الشعر؟
-هذا مقياس التسويق في اقتصاديات تداول الكتاب وبيعه، لا يمثل بالضرورة صورة الفعل الثقافي الحقيقي لما يمكن أن يكون عليه الشعر أو تكون عليه الرواية، نعم، ثمة بون شاسع بين مبيعات كل منهما، والتفوق محسوم منذ أكثر من عقد لمبيعات الرواية وجوائز الرواية، لكن ألا تلاحظ معي أن صمود الشعر ورواج نماذجه المشرقة يؤكدان أن زمن الشعر مايزال يتمتع بحيوية منقطعة النظير؟ وأن شيوع الميديا واستهلاكها الواسع أعاد الاهتمام بالشعر وجعله في الصدارة؟ الصدارة الآن للميديا، ويقف في مقدمتها الشعر كفن هائل وعظيم، بوسعنا أن نتحدث كثيراً منطلقين من هذه الرؤية ، لكننا سنقول باختصار شديد: لم يفتر زمن الشعر في العقود الماضية إلا بسبب التكرار والنمطية والاتكاء على كلائش الكتابة وشيوع قصيدة النثر بنماذجها المعتمة، لا المشرقة والمتوهجة والكبيرة، كل ذلك أسهم بتخريب سمعة الشعر لصالح السرد، لا أقول ذلك للتقليل من قيمة الأعمال السردية العظيمة التي أنتجتها السردية العراقية، إنما للتأكيد على أن الشعر ما يزال عظيماً وسيظل كذلك إلى الأبد.

النخبوية المتعالية
*ما رأيك بمن يقول إن أزمة الثقافة العراقية ناتجة عن اعتكاف المثقف (النخبوي) داخل أسوار أبراجه العاجية؟
-أنت أسميته الآن بـ “النخبوي”، والنخبوية تفترض الصفوة، أو النموذج الجيد الرصين، لكنها عندنا في الثقافة العراقية -على وجه التحديد- اقرب إلى الشتيمة.. وعلى أية حال، علينا أن نميز بين نوعين من الثقافة: الأول نخبوي متعالٍ ونرجسي.. الخ من التوصيفات التي تليق بتلك المنطقة الغامضة من التثاقف، فيما ستجري الثقافة في نوعها الآخر الحقيقي الذي يعيش قضاياه المصيرية والتاريخية والإشكالية بمعرفة وتأمل وهموم حقيقية، أعني تلك الثقافة التي تتفاعل مع المجتمع والحياة، سواء أكانت محلية أم إنسانية كونية واسعة الأفق، الثقافة التي ترى في الإنسان قيمة عليا تستحق العناء وتستحق أرقى وسائل التعبير، وبالتالي تنتج له خطاباً كبيراً وغنياً وممتعاً ومفيداً.. بودي أن أشير هنا إلى انفتاح الثقافة العراقية في السنوات الأخيرة على الدراسات الثقافية، فقد أنجز منتجو الثقافة العراقية أدباً وفكراً يستحقان المعاينة والدراسة والتحليل لما انطويا عليه من أهمية بالغة أزعم أنها ستأخذ طريقها إلى العالمية إذا ما توفرت مناخات الترجمة الرصينة القادرة على نقل الفكرة واللغة بطريقة جيدة تشبه تلك الطريقة التي وصلنا فيها الأدب الغربي.

موقفان

*كيف تقيّم موقف المثقف من خلال مشاركته في حركة الاحتجاج المطالبة بالعدالة الاجتماعية؟
– لدينا مثالان شاخصان في ذلك الحراك: هما حركات الاحتجاج في العام 2011 واحتجاجات تشرين العظيمة، أعتقد جازماً أن فيهما بدا الوجه الحقيقي للمثقف العراقي الذي يتفاعل مع هموم وتطلعات مجتمعه ووطنه.. لا يأخذ الحديث هنا صبغة الشعاراتية التي نعرفها ونعرف المتشدقين بها، إنما أعني –وبوضوح بالغ- تلك الشخصيات الثقافية والفنية والأكاديمية التي انطلقت بقوة لترسيخ حقيقة الموقف الثقافي الذي يجسد معاني الوطنية في أبهى وأسطع صورها، لكن ذلك سيبقى ناقصاً ما لم يكن مشفوعاً بموقف ثقافي من خلال الأطروحة الأدبية أو الثقافية أوالفكرية التي يشتغل عليها منتج الثقافة.. أتحدث هنا عن منتجي الثقافة على وجه الخصوص، لكن ما إن يتسع الحديث إلى المثقف العراقي بشكل عام، فسنجد مساحة مشرقة وعظيمة قد حصلت في العراق بتواشج هؤلاء المثقفين مع حركات الاحتجاج المطالبة بتحقيق العدالة الاجتماعية والحقوق الوطنية

ثقافة المركز
* في الماضي كان هنالك تركيز على ثقافة المركز دون المحافظات، برأيك هل ما زالت هذه الإشكالية اليوم، أعني عدم التركيز على ثقافة المحافظات ونشاطاتها؟
-جدلية الهامش والمتن ليست وليدة المرحلة الحالية، هي واحدة من إرهاصات العملية الثقافية في العراق على مدى عقود. لكنها لم تكن حائلاً أمام مَنْ يريد لنفسه أن يكون في الصدارة، الأمر مرهون بمثابرة من نوع خاص.. كدٌّ معرفي وثقافي وجهد بالغ في تطوير الذات ورفع إمكانياتها ومهاراتها في الأداء، هذا في المقام الأول بتقديري البسيط، وهو ما يحصل في كل حين، لكن المحددات التي كانت تعيق الهامش في التقارب مع المتن قد زالت بسبب شيوع التكنولوجيا والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي -كما أسلفت-، أعني أن هذه الوسائل جعلتك حاضراً في صميم المشهد الثقافي، إضافة إلى اتساع قدرتك في إيصال صوتك إلى عموم القراء والمعنيين من خلال صفحاتك الشخصية المبثوثة في الإنترنت.. إنه شيء عظيم ومذهل، وهو بمقدوره أن يتجاوز أي حديث عن الهامش والمتن وقد اختلطا كثيراً.

*ما جديد الناقد علي سعدون؟
– بعد ثلاث مجموعات في قصائد النثر هي: (الغياب العالي ) 1997 و(إصغاء للمنفى) في العام 2006 و(أكثر من مياه) 2008 وكتابي النقدي الأول (جدل النص التسعيني) 2016، لدي كتابان نقديان قيد الطبع عنوان الأول: (الشعرية وسواها) وسيصدر قريباً. ويليه كتابي الآخر (الشعرية بوصفها حياة).. وأيضا أوشك أن أكمل كتابي الآخر (مراجعات في النقدية العراقية). ها أنت ترى إنني مقل جدا في الإصدارات. لكنني أحاول أن اتلمّس طريقي كما يتلمسه غيري من الأصدقاء، بصبر وأناة.