المبدعون.. وعوالمهم الغريبة

669

رولا حسن/

كثر الحديث عن لا سوية الشعراء والفنانين وغرابتهم، لا بل أن العامة ذهبت في الكثير من الأحيان إلى اعتبار الشاعر كائنا متصلا بالجنون في بعض وجوهه.
وهذه الفكرة لم تأت من عدم، بل لها في رأي من يحملونها دلائل وقرائن تسندها وتبرهن عليها في المستويين السلوكي والإبداعي.
فعلى المستوى الأول نرى في سلوك المبدعين وما يتصل بالخروج على القاعدة وتجاوز المألوف في العادات والطبائع والممارسات اليومية.
وقد يأخذ هذا التجاوز أشكالا شتى تكون عند العامة انطباعا بالغرابة والشذوذ والخروج عن السائد.
فالتصرفات التي تؤثر عن سلفادور دالي، سواء في مظهره الذي يشبه المهرج أو لاعب السيرك، أو في طريقة قص شاربيه أو الهبوط إلى معارضه من السقف تشير كلها إلى الغرابة والشذوذ وكسر الأعراف مما يمكن أن تأخذه العامة على محمل الجنون. ومن يتتبع أخبار فان غوغ وغوغان تلفته من دون شك السيرة العجائبية المزدوجة لهذين الفنانين اللذين ارتبطا بعلاقة تختلط فيها الصداقة بالكراهية، والوداعة المفرطة بالعدوانية الحادة التي تؤدي في إحدى مراحلها إلى أن يهم أحدهما بقتل الآخر. وما حدث لفان غوغ وليس بعيدا عما حدث لرامبو وفيرلين اللذين جمعتهما صداقة وصلت إلى حد الشذوذ والهلوسة، كان من نتيجتها أن الثاني أطلق النار على الأول وكاد يرديه.
تضيق السير الشخصية للكتاب والشعراء والفنانين بالأفعال الغريبة التي يأتونها وهي في مجملها تعبر عن تبرمهم بالمألوف والعادي وعن رغبتهم في الإقامة خارج القوانين الموضوعة والأنظمة السائدة لأن لهم من متخيلهم الشخصي ما يكفي لخلق فراديسهم أو نيرانهم الخاصة. لذلك فإن أيا من تصرفاتهم يبدو في نظر العامة مدعاة للتساؤل والاستهجان، وقد روت إيليني عن الروائي اليوناني الشهير نيكوس كانتزاكيس إنها ارتبطت معه بعلاقة حب غريبة استمرت قبل الزواج أكثر من خمسة عشر عاما. ذلك أنه تمنى عليها أن تبتعد عن شؤونه، وقد رضيت إيليني بهذه الشروط القاسية من أجل أن تؤمن لمؤلف “زوربا” و”المسيح يصلب من جديد ” أقصى درجات العزلة والحرية، إن الرغبة في تحقيق الحرية الكاملة هي ما يدفع الكاتب أو الفنان إلى التعبير عن تبرمه بالواقع وانقلابه على أي سلطة، فالفن والكتابة يضيقان بالجدران ويعملان على هدمها واختراقها والفنان لا يكف عن المحاولة إلى أن تنهار أمامه المعوقات والسدود مثلما فعلت الجدران بسد مأرب والأزاميل بجدار برلين. لكنه قبل أن يحقق مبتغاه وهو كثيرا ما لا يتحقق في حياته، لا يملك كتعبير عن الاحتجاج والضيق سوى تحدي المجتمع ورفض سننه وأعرافه، وهو أمر قد يوصل الفنان في أقصى اندفاعاته إلى تخوم الجنون أو المرض أو الانتحار ولدينا من جنون هولدرن وعصابية فان غوغ ودوستويفسكي وانتحار كلايتس وميشيما وكاواباتا وهمنغواي وخليل حاوي وغيرهم ما يكفي للدلالة على سوء الفهم المزمن بين المبدعين وعصورهم الذي يؤدي عند استفحاله إلى انكسار الجسد بالمرض والتصدع والعصاب أو إلى استباحته من الشياطين والأرواح السود ودفعه في النهاية إلى الانتحار. أما على المستوى الثاني، والمقصود به المستوى الإبداعي، فإن الفنان والكاتب يتعرضان إلى تهمة المروق أو الهلوسة والجنون بمجرد الخروج على السائد واجتياز عتبة الأساليب المعروفة، وهو ما يتعرض له الرياديون والمؤسسون وحتى الأنبياء أنفسهم. فالشاعر العظيم يستند إلى مخيلة متوقدة تفتح أمامه مصاريع اللغة والصورة بحيث يتجاوز الحدود المرسومة سلفا من حراس المفاهيم والتقاليد المتبعة في عصره. لهذا فهو يتهم بالتخريب والخيانة والتآمر على اللغة حينا، وبالانحراف والشذوذ والخبل حينا آخر. ليس من الضروري في هذه الحال أن تبدو أعراض الجنون جلية في سلوك المبدع، بل يكفي أن يضرم النار تحت اللغة أو القماشة أو الخشبة لكي يرمى بشتى التهم ويساق أحيانا إلى الموت مثلما حصل مع الحلاج وابن المقفع .فكل مجاز غير مألوف هو تجاوز لعتبة الواقعي والمشروع في اتجاه الغامض والغريب المؤديين إلى الخلل والخوف، وكل إنزياح هو خروج عن “الزيح” المرسوم سلفا نحو أرض التجديف والهلوسة وإشاعة الفوضى .إن الفن الحقيقي على رأي بيرغسون هو ذلك الذي “يرفع فيه العقل الكلفة مع الطبيعة ” والعقل لا يفعل ذلك إلا حين يخسر من عقلانيته ويلج في هذياناته المحمومة حيث تكون رياح الجنون في الانتظار. لهذا لم يكن أمام الناقد والكاتب سان أفريمون سوى الإقرار بأننا “ندين باختراع الفنون إلى خيالات مخبولة. فما نسميه نزوة الرسامين والشعراء والموسيقيين ليس سوى تسمية ملطفة بالتهذيب للتعبير عن جنونهم”.