المثقفون وأجواء رمضان

684

 خضير الزيدي /

يفرض شهر رمضان الكريم، رؤيته وأجواءه الإيمانية، تاركا آثاره في وجدان ونفسية الإنسان. وبما أن المثقف يخطط للكتابة والتفكير ضمن حدوده الخاصة التي تملي عليه طريقا مختلفا، وبما أنه لا يبتعد كوجود إنساني، مع الالتقاء بطقوس هذا الشهر الفضيل.

فما هي رؤيته حيال لحظات ذلك الطقس العبادي. هل ثمة متغيرات يومية تطرأ على ذلك المثقف سواء كان ناقدا أم شاعرا أم فنانا؟، وما الذي تضيفه ليالي هذا الشهر لقواعد أمسيات المثقف؟ هذه الأسئلة تفصح عن اختلاف كثير بين هذا المبدع وذاك. وبقدر ما تنطوي على اختلاف في السلوك والحياة اليومية التي تترتب على أيام شهر رمضان، فقد أولينا أن نبحث مع بعض النخب الثقافية والفنية عما يجول في خاطرهم تجاه أيامه المباركة.

مؤثرات المكان
وقفتنا الأولى من مدينة النجف الأشرف التي تحمل بصمات الإيمان والصفاء الروحي، ذهبنا لنطرق باب الروائي شهيد الحلفي ونتساءل معه كيف ينظر للأمر فأجابنا: من المعروف أن شهر رمضان شهر استثنائي وذو طابع خاص.. خصوصيته تأتي كونه شهرا عباديا وبالتالي أجواؤه تنعكس على مجريات الحياة بصورة عامة فالنمط المعيشي تطرأ عليه تغيرات كبيرة منها مثلا أن الليل يتحول إلى معاش والنهار إلى سبات، وإذا أردنا الوقوف على طبيعة هذا الشهر وتأثيره أو انعكاسه على الطقوس الكتابية ومحاولة التعرف على الكيفية التي يبرمج بها الكاتب نشاطاته الإنتاجية أثناء هذا الشهر، فأن ذلك يقودنا إلى بعض الأسئلة هل تصلح الأجواء العبادية لممارسة الطقوس الكتابية؟.. هذا السؤال قد يأخذنا إلى مفهوم تنازع الطقوس بين ما هو ديني وما هو أدبي. السلوك الإبداعي الذي يتوخاه الكاتب وهو يتطلع لإثراء منتجه وما يتوافق مع الضوابط التي يستلزمها شهر رمضان بمعنى أن روحية هذا الشهر المقيدة للنفس البشرية الجامحة ربما تنعكس على روحية الكاتب.. أيضا الأثر النفسي لمعطياته ربما تكون بالاتجاه السلبي أو الاتجاه الايجابي وبالتالي يشكل حافزا للإبداع أو العكس. أعتقد بأن الكتّاب أصحاب الطقوس الليلية في الكتابة وأنا أحدهم لن يجدوا تعارضا بين طقوسهم الإنتاجية وطقوس هذا الشهر، وربما يوفر لهم حصة أوفر من الوقت بحياته الليلية البديلة عن النهار الذي تحول إلى سبات.

ذكريات إيمانية

طرحنا تساؤلاتنا مع المخرج السينمائي هادي ماهود وكان صريحا بمحبته لعمله وأفكاره ورؤاه وما ينسجم مع لحظات الإيمان مؤكدا: أن أرث هذا الشهر كان حافلا بالذكريات المغروسة في أعماق الروح حيث رؤية الهلال والإعلان عنه باطلاقات نارية. وسفرة الإفطار المتواضعة التي ينعشها ما يتبادله الجيران بدافع الثواب والمحبة الاجتماعية وانتظار العيد وملابسه وبعيدا عن الجانب الديني لهذا الشهر فهو حافل بالمودة والفرح، لكن اليوم تبدلت ملامحه أثر وجود لطقوس الرثاء الكثيرة ولكن علي الاعتراف أني غالبا ما استغل هذا الشهر للتفكير في خطاب مشروعي السينمائي حيث توظيف المحلية العراقية وما تحمله من طقوس اجتماعية وشعائر دينية ولطالما كنت أتأمل منغمسا في لياليه بفكرة واقعنا الثقافي فهو يوفر لي السكينة وراحة البال فضلا عن كونه يعيد لنا التوازن روحيا. وأعتقد إننا بحاجة للتأمل الصوفي وقراءة الروح والتفكير بالطبيعة وجمالها وما يترشح عن شهر رمضان من صفاء للنفس الإنسانية.

استراحة روحية

في مدينة بابل يستعيد أغلب مثقفيها الحديث عن هذا الشهر بذكر سنواتهم الماضية فلها طقسها الحياتي الجميل فهذا الدكتور سعد الحداد الباحث في الشأن التراثي يخبرنا بأن لشهر رمضان خصوصية في نفوس المسلمين، ويعد محطة استراحة عظمى فيها من النعم ما لا تحصى.. يكون فيها العبد قد شمّر عن أوزار الحياة بما فيها ليعمّر مائدة الروح بلذيذ المناجاة والعبادة.. وتختلف الطقوس الفردية من شخص إلى آخر وبضمنهم المثقفون طبعا.. منهم من يترك في هذا الشهر ما درج عليه من أعمال على مدار العام ككتابة الشعر وغيره وعدم الخوض في أمور كثيرة. ومنهم من يلزم نفسه بالقراءة للمصادر الدينية وما جاورها. ومنهم من يتخذ القرآن الكريم رفيقاً له قراءة وتفسيراً وتدبراً. ومنهم من يلجأ إلى الصوم ليس إيمانا به، انما فرصة للاعتناء بالصحة. وللبيئة الاجتماعية تأثير في هذا الشهر الفضيل، المثقفون في الحلة يستثمرون لياليه في عقد المجالس الأدبية والثقافية فتكون تلك التجمعات واحة لتنقية وصفاء القلوب، فضلاً عن الغذاء الروحي والعقلي المتحقق من إقامة الأماسي الرمضانية في البيوتات والمجالس الثقافية ومنظمات المجتمع المدني التي تبادر إلى عقدها في موضوعات متنوعة. وربما كان مزاج المثقف أكثر تقلباً وتغييراً لما اعتاد عليه طوال أشهر السنة من نظام اتخذه لنفسه.. إلا أننا نجد الكثير معتكفين حتى الليل ينجزون أعمالهم ويتابعون شؤونهم الإبداعية، ما يعني أن شهر رمضان فرصة كبيرة لإنجاز الأعمال الإبداعية المتعلقة في أغلبها. وتبقى العلاقة متفاوتة بين المثقفين وشهر رمضان لتعدد أنماط المثقفين حسب درجة الإيمان والاعتقاد. لذا تختلف الطقوس والعادات باختلاف البيئة التي ينتمي لها المثقف.

الصفاء النفسي

أما الفنان علي عبد الجليل فيقول أن حرمة هذا الشهر توفر لي التفكير بعالم الفن من خلال التصور الروحي والنزعة الصوفية في الرسم ومن هنا أجد إننا بحاجة لان نمني النفس بالاستقرار على آرائك الاستغفار والتأمل لحياتنا من جوانب مادية وروحية معا وهذا ما يتوفر لي من خلال العبادة في هذا الشهر واجد من الضروري أن نعي ما الذي يريده المثقف والفنان والشاعر خلال هذه الفترة، اعتقد أن الصفاء النفسي سيكون قائما وحاضرا في أيام شهرنا الفضيل وأنا تحديدا يختلف عندي جو هذا الشهر عن باقي أيام السنة ففيه امتلئ خزينا روحيا سرعان ما يبدو ظاهرا للعيان في لوحاتي التعبيرية.