المر بد .. أكبرُ مهرجانٍ للشعرِ في العالم

17

يوسف المحسن /

“نحنُ البصريين؛ نطفئ الشعر حين ننام.. ونؤرّقُ مصباحنا للضيوف!..” بهذه العبارة استهل الشاعر البصري كاظم الحجّاج مشاركته في مهرجان المربد بدورته الرابعة والثلاثين، الملتقى الابداعي الأوّل الذي يحطم ما شيدته جائحة كورونا من أسوار، امتد للفترة من الرابع وحتى السابع من تشرين الثاني بمشاركة أكثر من مئتين وخمسين شاعراً وأديباً ومفكراً،
قدِم البعض منهم من دول عربية وأجنبية، لتعود البصرة الى سيرتها الأولى: راعية وحاضنة للثقافة وصانعة لها.
أيقونة ثقافية
أيام وليالي المهرجان شهدت إقامة عشر جلسات شعرية وملتقيات نقدية، تخللتها فعاليات فنيّة لفرق بصريّة ومعارض تشكيليّة وأخرى للكتاب والإصدارات تنقّلت بين أكثر من مكان، وأكثر من منصة، وأكثر من مدينة بصْريّة، قال عنها وزير الثقافة والسياحة والآثار الدكتور حسن ناظم: “إنّها أيقونة من أيقونات الثقافة العراقية، وهي فرصة كبيرة للعراق في أن يفتح قلبه وأفقه لهذه الاستضافات للمبدعين العرب والعراقيين في مدينة البصرة، المدينة الشاعرة التي رفدت الثقافة العراقية بأعظم الشعراء المجدِّدين.”
المربد، بنسخته الجديدة، حمل مجموعة من المتغيرات، حيث طبيعة الدراسات التي تتعلق بالشعر في زمن الجائحة ودرجة تلقيه من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، إلى ذلك أشار الدكتور سلمان الكاصد، رئيس اتحاد الأدباء والكتاب في البصرة، الذي قال: “إنَّ الشعر في الجائحة يعني العزلة، ومن ثم لابد من أن نتحدث عن هذه الظاهرة كونها غير مألوفة، أو أنها مغايرة لما كان سائداً في ما مضى، وهو ما يجعل المربد علامة فارقة تمثّل قيمة عليا للشعراء الذين يرتقون منصته بفخر واعتزاز كبيرين.”
لبنان “ضيف شرف”
إدارة المهرجان، وبعد التشاور مع وزارة الثقافة، احتفت بالجمهورية اللبنانية كـ “ضيف شرف” في دورة هذا العام، خطوة جاءت اعتزازاً بالدور الذي ينهض به المثقفون اللبنانيون، وتأسيساً لتقليد سنوي تسوده أجواء التلاقح الثقافي والتسامح والمحبّة. المبدعون اللبنانيون، ممن حضروا أيام المهرجان، عدّوا الخطوة تكريماً واحتفاءً بالثقافة اللبنانية، إذ قالت الشاعرة أمل خلف: “إن المربد هذا العام أثبت أن الشعر خالق الحياة والجمال، لأنه أتى بعد حدث عالمي أربك العالم وثقافته وتوجهاته المعرفية، ولأن الإصرار العراقي والبصْري كبير في همته، يأتي هذا المهرجان الأول من نوعه في اختراق وكسر الحواجز التي بنتها جائحة كورونا.” وأضافت: “لأن لبنان المقاوم والفاعل في الثقافة العربية إبداعاً وإسهاماً في انتشار الكتاب العربي، كان من الضروري أن تكافأ الثقافة اللبنانية بأن تصبح ضيف شرف هذا المهرجان الشعري العريق والنوعي والتاريخي.”

جبران يخاطب السياب
أمّا الشاعرة والدكتورة يسرى بيطار فقد تحدّثت بفخر عن المشاركات اللبنانيّة في دورات المربد السابقة ودورة العام الحالي قائلة: “المربد مهرجان عريق اعتلى منبره كبار الشعراء العرب، أكاد أقول بلا استثناء، وعلى امتداد خمسين عاماً، لبنان شارك مراراً في المهرجان من خلال أسماء كبيرة, وفي كل مرة يترك بصمة مميزة, وأثراً طيّباً وجميلاً, حيث تلتقي كواكب الشعر في سماء البصرة, سماء القصيدة، ولبنان حين يكون ضيف شرف للمهرجان فهذا يعني أن عطر الأرز سيعانق نخيل العراق, ويخاطب جبران خليل جبران السياب والجواهري ويتدفق ماء القصيدة من بيروت في أوردة دجلة والفرات.”
تأهيل البيوت والشناشيل التراثية
الأدباء والشعراء والضيوف زاروا عدداً من البيوت التراثية في البصرة، فقد سبق أيام المهرجان الإعلان عن إكمال التحضيرات للشروع بتأهيل قصر الثقافة في المدينة واتحاد الأدباء وجمعية التشكيليين، إعلان يأتي ضمن حملة صيانة وتأهيل عدد من البيوت التراثية في شارع الشناشيل بمنطقة نظران، المنفذة من قبل منظمة اليونسكو بدعم وتمويل من الاتحاد الأوروبي وبإشراف من وزارة الثقافة والسياحة والآثار، الضيوف عبّروا عن الإعجاب بالتراث العمراني البصْري من قطع ومنحوتات خشبية على شكل جدران وغرف مطرزة بالزجاج الملوّن ونقوش موغلة بالدقة والإتقان اللذين يحملان فرادة انعكست على فرادتها في الأدب والعلم والثقافة.

الشعر العمودي ملحقاً
كعادته، يسجّل الشعر العمودي حضوراً في منصة المربد إلى جانب الأشكال الشعريّة الأخرى, قصائد حملت من الجودة ما حفظ للمهرجان هويته وأعاد للأذهان صورته المعتادة المبنيّة على التنوّع والثراء, يقول الشاعر أجود مجبل في قصيدته “حفلة النسيان”:
العيد عندي أن تجيء قصيدة
وتلوّح الأزهار في نيسانِ
أن يسترد أباه طفلٌ خائفٌ
وتكفُّ دميته عن الأحزانِ
اما الشاعر نجاح العرسان فقال :
تبدأ القصّة ليلاً عندما عاد حمدْ
عاد والشاعر إن عاد
على الأرض سجدْ
طرق الباب بعينيه
فالدمعة يدْ
مثلما يطرق قلب الأم
إن عاد من الحرب ولدْ.

تشريع المربد
المربد كان حلم القبيلة وأملها وهي تحمل مفاخرها ومآثرها لتعرضها سلعة رائجة ومقبولة بين قبائل العرب المتبضعين تجارة الأدب والنقد والرجز والرواية، فصار غاية ما يتمنون، وكما يشير الكاتب عادل علي عبيد، وبعد كل دورة انعقاد للمربد الشعري تعلو أصوات مرحّبة وداعمة وأخرى توجه سهام النقد لإدارة المهرجان التي تواجه في كل مرة محدودية الموارد المالية، التي تبقى عقبة في وجه المنظمين. الأديب جابر خليفة جابر دعا إلى تشريع قانون خاص بالمربد يعمل على انتشاله من أزمته السنوية في البحث عن تمويل مالي، مع تنظيم إدارته، وتخصيص مقارّ ثابته للمهرجان كتقليد بصري وعراقي ثقافي يعد وجهاً من وجوه الثقافتين العراقية والعربية. يقول الدكتور سلمان كاصد -رئيس اتحاد الأدباء والكتاب البصريين- “إن المربد اسم كبير في الثقافة العربية ككل، وفي الشعر العربي، بل والعالمي، وعلينا أن نحافظ عليه هنا في البصرة، فهو محفل نفخر به كونه جزءاً من المدينة، محفل تفخر به الأمة، يستقطب الشعراء من أقاصي الشام والمغرب العربي والعالم بأسره.”
كلمات مظفر النواب كانت حاضرة
مهرجان المربد يحتفي بالشعر وبالفكر وبالأدب وبالمبدعين والمفكرين وبتراثهم ونتاجهم، في وقت أشار فيه الشاعر طالب عبد العزيز إلى أن المجتمعات الإنسانية لم تنصف المشتغلين في حقول المعرفة والفكر، وكثيراً ما طالتهم التهم بإفساد عقول الشباب، الأدباء، ومنهم السيّاب الذي تنقّل من سرير أبيض الى آخر أبيض أيضاً -في إشارة الى معاناته مع المرض- وغيره من المبدعين، تعرّضوا الى ما تعرّضوا إليه، لهذا حملت دورة المهرجان لهذا العام اسم الشاعر إبراهيم الخياط، الذي قال عنه الناقد فاضل ثامر: “إنه يقيم علاقة روحية عميقة تصل حد العشق والوله بينه وبين المكان، مدينة بعقوبة التي عدّها الشاعر مليكة بين جميلات المدن وأعلنها جمهورية للبرتقال ومملكة للخصب والحب والربيع الدائم.” لذلك كان السياب الشاعر مُرَحِّباً بالجموع التي زارت منزله قرب جيكور، وكان مظفر النواب حاضراً من خلال مناجاته الشعرية التي جاءت في كلمة الاتحاد العام للأدباء والكتّاب:
يا إلهي …إن لي أمنية
أن يعود اللحن بصرياً،
وإن كان حزين….
اللحن اليوم بصري ..لكنّه سعيد.