المصور رغيب أموري: دار السلام مدينة حيّة تنطق بلسان العصور

78

علاء حميد /

رغيب أموري، مصور حوّل التصوير إلى طريقة لتوثيق معالم بغداد، ولهذا فقد عمل على تحويل الصورة إلى وثيقة تاريخية، التقت به مجلة (الشبكة) لكي تحاوره بشأن مشروعه في توثيق آثار بغداد وأصحاب الحرف التراثية فيها.
التوثيق الصوري
– منذ متى بدأت توثق معالم بغداد صورياً؟
– نقطة البداية في مشواري الفوتوغرافي كانت بين عامي 1983 و1984، إذ دخلت مجال التصوير كهاوٍ فقط، ولشغل بعض الفراغ في العطل الدراسية، بعدها تعلّمت على أيدي مصورين صحفيين محترفين يعملون في مجلة صوت الفلاح مع والدي المرحوم الصحفي أموري الرماحي عملية طبع الافلام وتحميضها، وفي ذلك الوقت كانت الكاميرات والعدسات بسيطة تختلف عمّا هي عليه اليوم من تقنيات في صناعة الصورة، إذ كنّا نصور على أفلام (نيغاتيف) ومن ثم نحمض الفيلم ونطبعه على ورق خاص إلى أن تظهر الصور النهائية عبر مكبر للصور داخل غرفة مظلمة، أما اليوم فهناك الكاميرات الرقمية العملاقة ذات السهولة والاحترافية العالية. بعد ذلك لازمت الدراسة، وكنت أمارس التصوير في العطل الرسمية والمناسبات، وكنت أصور أصدقائي في المدرسة أو المحلة التي أسكن فيها، وقد بدأت فكرة التوثيق لديّ عام 2000، وقد استعملت أول مرة كاميرا كانون اعتيادية استأجرتها من أحد مصوري الباب الشرقي، وكانت المدرسة المستنصرية أول مكان أذهب لتصويره، أما بعد 2003 فيمكنني أن أقول إنَّها كانت الانطلاقة نحو الاحتراف والاحتكاك المباشر بأهل الخبرة والمعرفة، ووقتها كنت أعمل في شركات الاعلانات، وكان يطلب مني تصوير المنتجات الاعلانية، فضلا عن عملي كمصمم طباعي محترف، حتى انتقلت بعدها إلى تصوير الحياة اليومية في بغداد، وقد مارست تصوير البورتريه والحياة اليومية وحياة الناس والطبيعة والمعالم التاريخية والأثرية والأزقة البغدادية القديمة والحرف والمهن والصناعات الشعبية البغدادية، مُركِّزا على الضوء والظلال المتساقطة على الجدران والابواب ووجوه الناس.
إهمال وعدم صيانة
– من خلال تصويرك لمعالم بغداد، هل تعتقد أنَّها شهدت تغييراً كبيراً وملحوظاً؟
– من المعلوم أن مدينة بغداد دار السلام ودار الخلافة العباسية تمتلك إرثا حضاريا كبيرا يمتد إلى عشرة قرون مضت، وهذا الارث ما زال حاضرا إلى اليوم، متمثلا بالمعالم والصروح التاريخية كالمساجد والكنائس والمعابد والقباب والأضرحة والخانات والحمامات وغيرها، ويمكن القول إن المدينة شهدت الكثير من التغييرات غير المدروسة نتيجة الإهمال وعدم الصيانة، وجهل قسم من أهلها وعدم معرفتهم بقيمة الأثر المعماري، أو عدم فاعلية القوانين والرقابة لمحاسبة المخالف، بالإضافة إلى الطمع من خلال هدم المباني التراثية لإنشاء الاسواق والمباني التجارية الذي أنتج تغييراً فيها، على سبيل المثال ما حصل في الكنيسة التي هُدمت قبالة السوق العربي لتحل محلها سوق تجارية، وهذا بحد ذاته اعتداء على أثر معماري، وأيضا ما حصل في المخازن التي شُيِّدتْ أخيراً حول كنيسة اللاتين في الشورجة، إضافة إلى استعمال الباب الخلفي لخان مرجان كمحل لبيع المواد وعرض المنتوجات والازياء الشعبية، فضلا عن هدم الكثير من البيوتات البغدادية القديمة ذات الشناشيل والزخارف وأبوابها التي تميّزت بطاقات مدببة.
مدينة الحضارات
– خلال تصويرك لمعالم بغداد، ما الذي لفت انتباهك فيها؟
– تعد مدينة بغداد من المدن الجميلة والمتنوعة بإرثها العمراني والتراثي، فهي جامعة لكل التنوعات المجتمعية والعرقية، ولكل طائفة آثارها العمرانية الشاخصة إلى يومنا هذا، والتنوع يعني الالفة والمحبة والانسجام، بغداد مدينة لحضارات متنوعة تشكّلت على أرضها، ففي كل مكان تجد شاخصا أثريا وعمرانيا يحكي قصة مدينة قاومت كل أشكال التدمير والتخريب، فكانت تنهض من الركام وتزدهر من جديد، لقد شهدت بغداد فترات متعاقبة منذ العهد العباسي إلى الحكم المغولي والجلائريين والتركمان والصفويين ومن ثم العثمانيين وإلى نهاية الاحتلال الانجليزي وإلى يومنا هذا، الا أنَّني ماضٍ في توثيق جوانب التاريخ المضيء بالرغم من أنَّ علائمه انهارت وتداعى بعضها الآخر نتيجة تعاقب القرون وعقود السنين، ولم يتبقَ من بعضها إلا القليل من الأطلال والهياكل المهجورة التي تآمر عليها الزمان والإنسان معاً، فقد كانت فكرتي هي أحياء بعض جوانب وطرز العمارة العباسية، وما تبقى منها في بغداد، وهذا ما لفت انتباهي منذ نشوء فكرة التوثيق عندي، بغداد مدينة جميلة وستبقى جميلة كونها محط أنظار العالم إلى الأبد.
هوية الأحياء القديمة
– كيف ترى علاقة أهل بغداد بها؟
– لقد أثرت الهجرات المتعاقبة على المدينة سلبيا في أبنائها ومحبيها، فهناك من اندمج في شوارعها وأزقتها وبيوتها العتيقة وأصبح جزءاً لا يتجزأ منها، فمن خلال تجوالي المستمر للتوثيق بين أزقتها الضيقة وأسواقها المسقوفة ومحلاتها الصغيرة ودكاكينها القديمة والمتآكلة وبيوتها المعقودة بالآجر والجص وجدت علاقة حميمية بين البغداديين الأصلاء ومدينتهم، لذلك نجد أن الاحياء القديمة التي ما زالت تحتفظ بهويتها التراثية وطابعها العمراني برغم تقادم الزمن عليها ممتلئة بالناس الذين يمارسون حياتهم اليومية، وهناك من لا هوية أو انتماء لديه او حب واحترام تجده يقوم بتدمير تراثها ومسح هويتها التاريخية، وهنا أتذكر قول أستاذي الكبير المرحوم فؤاد شاكر إن المدن ملك أهلها، وعلى الرغم من تآمر الزمن عليها تبقى بعين أبنائها بهية وعلى العكس مما هي بعين الغرباء عنها لا تعنيهم بشيء بل هي بعين الذين غادروا بيوتها وأحياءها فراديس وجنان معلقة حتى أنَّهم حين يقلّبون أبصارهم عليها تجدهم ينظرون إليها نظرة المهابة والخشوع لما تمثله من مهد الروح قبل الكيان.
رحيل أغلب المهن التراثية
– من خلال توثيق الحرف البغدادية، ما الذي بقي منها؟
– زاول البغداديون مهنا وصناعات شعبية كثيرة انتشرت وذاع صيتها في جميع أنحاء العالم، ثم ذوت واندثرت وحوّلها الزمن إلى مآثر شعبية وذاكرة منسية، من هنا ارتأيت أن أكون السبّاق في توثيق هذه الحرف والمهن والصناعات الشعبية البغدادية القديمة، التي طالما أثارت أحاسيسي وأجَّجت في داخلي الحنين إلى الماضي ودفعتني بشغف كبير لتوثيقها منذ عشرة أعوام مضت كي أحفظ وأوثق ما تبقى من هذا الموروث البغدادي الكبير، فمعظم هذه الحرف والصناعات الشعبية والمهن القديمة قد رحلت ولن تعود بسبب التغيير المكاني والسكاني والحالة المعيشية لمعظم الناس في بغداد، وأذكر منها على سبيل التذكير(أم الباقلاء) وهي سيدة كبيرة في العمر تفترش الأرض لبيع الباقلاء، وكانت تعدّ وجبة فطور مهمة عند البغداديين، و(التتنجي) أي بائع التبغ، والمدلكجي و(حداد السكاكين) و(بائع الفرارات) و(أم المهافيف) و(مبيض القدور) و(الملا) أي معلم الأطفال القرآن الكريم والحفظ والتلاوة، و(الخبَّازة)، و(خيَّاط الفرفوري) فقد زالت واندثرت من حياة الناس وأصبح صداها فقط ذكريات من الماضي. لكن شاءت الأقدار والصدف في يوم من الايام أن التقي برجل مسن، كان متربعاً على قدميه في سوق الهرج في منطقة الميدان مفترشاً الأرض يمارس مهنة خياطة الفرفوري التي انقرضت، مما فاجأني وحاز استغراب من حولي، ولم اتمالك نفسي حينها وتحدثت معه بشأن هذه الحرفة، وأخرجت كاميرتي والتقطت له أكثر من صورة لكي أخلِّد هذا الرجل ومهنته التي يترزق منها، والغريب في الأمر كان هناك أناسٌ بقربه يحملون معهم الاغطية والاباريق المصنَّعة من الفرفوري. أيضا هناك الكثير من المهن في يومنا هذا في طريقها إلى الاندثار والنسيان بسبب ظروف الناس وسوء حالتهم وتعرّض معظم الاسواق والخانات والأماكن التراثية إلى الخراب والتدمير بسبب العمران الحديث غير المدروس فنيا مما أثر في تلك المهن، واذكر منها حائك العباءة الرجالية (أبو الجوما) و(صانع العكل) و(رواف الملابس) و(رواف السجّاد) و(المصور الشمسي) وغيرها من الحرف التي ستنتهي عن قريب دون رجعة إلى أسباب نعرفها أو نجهلها.