الناقد حاتم الصكر لـ”الشبكة”: أعتمد تقنيات السرد ولا أتتبع خطى الحياة الشخصية

400

 خضير الزيدي /

على مدار سنوات طوال من البحث والقراءة والمعرفة بجوانب النقد الأدبي والثقافي ينتج لنا حاتم الصكر سيلاً من الإصدارات التي تلهب حماس القارئ لمعرفة أدق تفاصيل تلك المناطق التي يشتغل عليها معرفيا. فقد حقق في هذا المضمار نجاحات يشهد لها القاصي والداني عبر مسيرة امتدت منذ سبعينات القرن المنصرم ليومنا هذا.

ولأن كتابه الأخير(أقنعة السيرة وتجلياتها البوح والترميز في الكتابة السير ذاتية) ينفتح على قراءة متنوعة تمتلك التحليل الدقيق والرؤية الثاقبة والمكاشفة الواضحة فقد ارتأينا أن نتحاور معه حول هذا الكتاب …وما أهم التوصلات المعرفية لديه وما المنهج المتبع في مثل هكذا إصدار يحتمل الكثير من التأويل وهو يتناول أسماء مهمة عرفناها عبر سيرهم الذاتية.

المسكوت عنه

** ما أهمية كتابك الأخير “أقنعة السيرة وتجلياتها”..

* كنت قد تناولت جوانب من متون كتبت كسيَر ذاتية في كتابي

(كتابة الذات – عمّان 1994) ومنها سيرة فدوى طوقان (رحلة جبلية ..رحلة صعبة) وقد تركتْ لديّ ملاحظات وتداعيات غير منظمة في رؤية واضحة حول المباح والمسكوت عنه في السير الذاتية ، فعدت لهذا الموضوع عبر قراءة لبعض السير الذاتية لكتّاب ومثقفين عرب، وتكونت لديّ رؤيةٌ ما أردت تطويرها عبر قراءات متعددة منها ؛كتاب “أوجه السيرة” لأندريه موروا ، و”السيرة الذاتية والتاريخ والميثاق الأدبي لفيليب لوجون”، فضلا عما كتبه إحسان عباس في كتابٍ تعريفي عن السيرة الذاتية. ولكن أطروحات لوجون بكونه أبرز منظّري هذا النوع الكتابي أثرت بي كثيراً. وقد كان مؤتمر الأدب والمرأة في القاهرة مناسبة لقراءة عدة سير لنساء عربيات. وتمدد اهتمامي بالسيرة إلى ما يجاورها وينبثق عنها من أنواع ؛ كالرسائل الشخصية والمذكرات. وهكذا تكونت لديّ مادة كتاب أول عن السيرة الذاتية بعنوان “البوح والترميز القهري” نشرته في القاهرة (سلسلة إبداع عربي )2014وهذا الكتاب صدر ناقصا ؛لأن مواده حددها حجم السلسلة التي صدر ضمنها. ولذا تداركته بكتابي هذا(أقنعة السيرة الذاتية وتجلياتها)دار ازمنة-2017. كان العنوان الرئيس الأول للكتاب هو(داخل بابل أرواحنا). وهي عبارة كتبها لوجون في السنوات الأخيرة. وقد مثلت لي تجسيداً للبلبلة التي يثيرها هذا النوع الكتابي المقلق. ولكن لم يرتح للعنوان أصدقاء أثق برأيهم، ومنهم الناشر نفسه-القاص الأستاذ إلياس فركوح-.

** ما الجديد في متن هذا الكتاب الصادر مؤخرا؟

-الجديد في الكتاب معاينة أنماط من السيرة الذاتية لم تجنَّس بشكل واضح كالرحلة مثلاً؛ فقد عددتها سيرة للمكان تمتزج بسيرة الرحالة. ووسّعت بحثي عن السيرة الذاتية النسوية، وكذلك عن الرسائل، وما أسميته بالسير الثقافية؛ أي تلك التي تكشف أجزاء من سيرة الكاتب الثقافية، ومنها سيرة الراحل العزيز حميد العقابي. وتطرقت للسيرة الشعرية مجدداً بعد أن كنت درستها في كتابي (مرايا نرسيس)، من خلال نص محمود درويش الطويل(لماذا تركت الحصان وحيداً).

استرجاع الذاكرة

** هذا القول يدعوني لأتساءل هنا: ما المختلف في طروحاتك حيال هذا النوع من الكتابة الإبداعية؟

-المختلف هو التمدد النوعي الذي فرضته تمددات السيرة الذاتية. فقد اقترح منظرو ما بعد الحداثة أن تكون للسيرة الذاتية مواثيق قراءة جديدة تخرج على قديمها التقليدي(كأن يكون الكاتب علماً في مجاله، وله إضافات بيَّنة في ذلك..وأن تُكتب بضمير المتكلم…وأن تجنَّس رسمياً بالنوع السيري.) وبودي إضافة شيء آخر أعده جديداً في كتابي وهو دراسة رواية السيرة الذاتية والعلاقة بين النوعين السيرة والرواية. وكشف ما يتخفى من كِسَر وأجزاء سيرية في رحم السرد الروائي. وأثرتُ سؤالاً نظرياً مصطلحياً حول أحقية الرواية السير ذاتية بأن تكون رواية أم أنها سيرة روائية؟

** عليّ أن أرجع معك إلى العنونة: لماذا أقنعة السيرة وليس أوجه الحقيقة. هل ثمة ما يثيرك من شك وأنت تعيد قراءة كتب السيرة الشخصية من وقائع وتواريخ ويوميات؟

* لعل مفردة الشك غير دقيقة هنا. نحن نفترض أن النص-أي نص- ناقص، وفيه ثغرات تملؤها القراءة، وهو ما عُرف بالمضمر أو المسكوت عنه والمغيّب وراء المتن، لكنه في صلب الخطاب. ومهمة دارس السيرة الذاتية برأيي هو الكشف عن تلك المناطق. القناع هنا ليس وصفاً أخلاقياً لموقع راوي أو سارد السيرة الذاتية. نعم، قد يتقنع بعض الكتّاب لأسباب مرحلية، ويزيلون أجزاء كبيرة من وقائع سيَرهم، ويغيرون مواقفهم حتى بأثر رجعي، أي لما حصل لهم وهم في مراحل عمرية سابقة. ولكن ذلك متروك للقراءة الآيديولوجية أو التاريخية مثلا. أما مهمة قارئ السيرة فهي افتراض وجود قناع فني يشف من ورائه وجه كاتب النص، ويدعونا ذلك إلى أن نسد الثغرات المتروكة كتأويل أو تفسير لبعض مناطق السيرة.

**وهذا القول يحيلني أن أتساءل عن المقاربة النظرية لمفهوم السيرة الذاتية التي بحثتها في هذا الكتاب ؟

-نظرياً اعتمدت تطويرات فيليب لوجون لمفاهيم السيرة الذاتية كميثاق قراءة بين الكاتب والقارئ. وأن النص السيري نص أدبي أولاً؛ أي أنه يعتمد آليات السرد وتقنياته، ولا يراعي بالضرورة أو يتتبع التطور الخطّي لحياة الشخص. وأفترض في خطتي لمعاينة نصوص السيرة الذتية أنها أشبه بجامع نص بعبارة جيرار جينيت، حيث تلتقي عندها فنون كتابية كثيرة. فثمة أجزاء من التاريخ والوثيقة والرواية والتحليل والتعليق، فضلاً عن مهمتها الستراتيجية كونها نصاً أدبياً في المقام الأول.

** من يطلع على كتابك يجدك تستشهد كثيرا في آراء فيليب لوجون، هل أنت مقتنع بمقولته بأن السيرة الذاتية ليست نصاً تاريخياً؟

*قلت في إجابة سابقة إن لوجون أثَّر في اهتمامي بالسيرة الذاتية. وهذا التأثير يمس أغلب دارسيها. ولكنني لا أرى السيرة الذاتية نصاً تاريخياً.على العكس فهي تجري حديثا عكس التاريخ، أي أنها تقدم قراءة الزمن الحاضر لوقائع الماضي؛ فلا تعود الوقائع الفردية المسرودة تاريخاً بالمعنى المتعارف عليه.إنها تنتزع من التاريخ الشخصي تلك الوقائع، وتفتح الذاكرة لاسترجاعها بكيفيات لا تملك طمأنينة التاريخ أو لوازمه المعروفة . الزمن هنا مختلف والسرد أيضاً.

السيرة الشخصية

** ماذا عن المنهج المتبع من قبلكم في تتبع كتابات السيرة ..وأنت تغوص عميقاً حيال قراءتها نقديا؟

* يقوم منهجي، كما هو في كتاباتي النقدية، على أسس نظرية القراءة، ودور القارئ الخاص، أي الناقد في إظهار النص بالفعل بعد وجوده بالقوة في متنه المنشور. ولكنني ما زلت أعد الرؤية أكثر أهمية من المنهج الجامد المحدد. فالرؤية المتقدمة والمتحررة حداثياً تتيح لي الانفتاح والحرية في التناول وفق ما تذهب بي النصوص ذاتها والمهيمنات المتنفذة في تشكلها.فأقوم بإعادة تمثيله بعد عملية تمثله قرائياً. وفي نصوص السيرة الذاتية اعتمدت بعض آليات التأويل كالإحالة اللغوية أو الصورية إلى ما يعد هدفاً بعيداً عن قصد المؤلف. وذلك يوسع دائرة الحدث السيري المكتوب، ويربطه بسياقات عامة تحيط به؛ كالوضع الاجتماعي والسياسي والتاريخي، وربما التربوي أحياناً..

** أريد منك توصيفاً لمفهوم السيرة الثقافية والسيرة الشخصية، هل هناك اختلاف بينهما. وماذا لو تم للمؤلف أن يجمع بين الاثنتين في طريقة محكمة من الإبداع؟

* كانت بداية انتباهي للسيرة الثقافية نصوص أدونيس التي نشرها في مجلة لبنانية قديمة تحدث فيها عن سيرته الشعرية، ولكن بكشف مصادر ثقافته الأولى وتربيته، ثم قراءاته ومواقفه وتعلمه اللغات ودراساته ومؤلفاته. وللأسف لم يستكمل أدونيس ذلك العمل. وهذه مسألة تلفت الانتباه. فقليل من مبدعي العربية المرموقين نشر سيرة ثقافية، وكشف مصادره ومكوناته وتطوره، وسياقات حياته المحايثة للأدب. أما السيرة الشخصية فهي أول وأقدم أنواع كتابة السير الذاتية. الشخص هو شخصية السيرة وساردها، رغم أنه مبتعد زمنياً عن أحداثها، وعن الكائن السيري كما أسميته في كتابي الذي لا يتكون لحظة السرد ، وإنما بمجموع شخصياته عندما كان فاعلاً لأحداث السيرة كالطفولة مثلاً، والكائن السارد المتومضع في السيرة كراوٍ عليم بما يسرد، وأخيراً هذا الكائن الواقف وراء العمل السيري ذي الزمن الخاص والسارد متعدد الصفات تبعاً للزمن. وأقصد زمن الأحداث المروية في السيرة وزمن السرد.