النساء أبدعن في الغناء واختفين من ساحة التلحين حسّ مفقود أم شأن رجولي بامتياز؟

224

عادل مكي/
التلحين صياغة نغمية رشيقة ترسمها مخيلة خلابة تتسم بالعبقرية الفذة والصبر الذي قد يمتد طويلاً وصولاً إلى تلاقح مخزون، نغمي تراكمي، يتفجر في لحظة تجلٍّ تحققها الموهبة المتفردة باعتبارها إعادة صياغة حسيّة وتفكيك الكلمات والقصائد وترجمة أحرفها حرفاً حرفاً وكلمة كلمة في موسقة محبوكة وتراص لفظي غنائي، لذلك عد التلحين سمة عبقرية لا يمتلكها إلا الذين حباهم الله التفرد والإبداع.
لكن الغريب هنا هو شح الملحنات الذي ليس له تفسير واضح أو سبب منطقي مقنع للغياب، على الرغم من أن الكل يتفقون على أن الموهبة تولد مع الشخص ولا تأتي بالدراسة. وهنا نبدأ بجملة تساؤلات: أيهما أصعب، التلحين أم الغناء؟ ومن منهما يحتاج إلى العقل أكثر؟ وهل النساء غير قادرات على التلحين الموسيقي باعتباره كاشفاً عن نقص العقل وضبابية الارتكاز المشتت ذهنياً وفكرياً؟ ولماذا تميزت النساء في الغناء أكثر من الرجال؟ هل لأن المرأة تتميز بحس عاطفي مقارنة بعاطفة الرجال وعقلنتهم، ولاسيما في الغناء المشحون بالوجع والمكابدة، بحيث لم يظهر حتى كتابة هذا المقال صوت رجالي ينافس صوت أم كلثوم، هل أن السبب هنا هو عاطفي وأن ألحان الرجال مؤثرة أكثر من ألحان النساء.. إن وجدت؟
جرأة أم خيال؟
ولو جئنا إلى جزئية الجرأة النغمية، فهل يمكن اعتبار انعدامها لدى النساء ربما هو السبب الحقيقي وراء عدم وجود ملحنات، أم أن الأمر متعلق بضعف خيالها قياساً بخيال الرجال، أو لعلها الرهبة والخوف من الدخول في ذلك المضمار الصعب الذي يحتاج تفرغاً كاملاً، أم ربما هي الاتكالية التي جبلت عليها المرأة منذ بدء الخليقة في أن تكون معتمدة على الرجل في توفير ما تحتاج إليه من متطلبات حياتية يومية. أسئلة محيرة فعلاً تحتاج إلى أكثر من دراسة معمقة لاكتشاف أسبابها النفسية والعقلية والتاريخية.
يقيناً.. لم تظهر للعيان امرأة نافست خيال وعبقرية محمد عبد الوهاب وبليغ حمدي، أو امرأة نافست بلاغة أحمد شوقي أو نزار قباني أو الجواهري، أو روائية نافست نجيب محفوظ أو إحسان عبد القدوس، سوى امرأة واحدة -كما يعتقد- وهي أحلام مستغانمي-ربما-، وقطعاً الأمر هنا أيضاً يحتاج إلى أكثر من دراسة لمعرفة الأسباب التي قد تكون تشبه حالة عزوفها وابتعادها عن خوض غمار الحالات التي تحتاج جهداً فكرياً، يشبه حالة الانزواء أو الخوف أو الاتكالية المفرطة التي تعودت عليها أو جُبلت عليها.. شاءت أم أبت.
تميّز في الغناء
يحدثنا التاريخ أن المرأة الشرقية تميزت في الغناء، إذ كان لها دور مهم في العصر العباسي، حين كان الغناء متسيداً البلاطات، وكان يعكس نوعاً من الرقي الطبقي وثراء الحياة الفنية داخل القصور الفاخرة في طابع نخبوي، حيث بلغت النهضة الفنية ذروتها، على الرغم من أن تاريخ الموسيقى والغناء يعود إلى العصور القديمة، إذ كانت هي السمة الواضحة والمميزة، لكنها بلغت أعلى مراتبها في العصرين الأموي والعباسي بعد أن ساعدت الظروف الاجتماعية والرفاهية المطلقة لأمراء السلطة في دعم الموسيقى والغناء، ولاسيما على يد ابراهيم الموصلي وابراهيم بن المهدي، حين بلغ الاهتمام أقصاه، إذ كان للترجمة دور مهم في ترقية الإدراك الفني الموسيقي بعد الاطلاع والاستفادة من التراث اليوناني والفارسي والهندي والرومي عبر دراسته والاستفادة منه، وكان العصر العباسي في الحقيقة هو الحقبة المهمة والمزدهرة لفن الغناء والتلحين الموسيقي، فالأندلس وحضارتها كان لهما الدور المؤثر الحقيقي لتطور ذلك الفن بعد أن أسس زرياب أول معهد موسيقي متكامل، عمل على نشر الموسيقي الشرقية في الأندلس، فاستقطب معهده الكثير من الطلبة من الدول الأوروبية، فقد أوفد ملك انكلترا (جورج الثالث) ابن أخته (دوبانت) لدراسة الموسيقى في ذلك المعهد، كما كان للنساء دور مهم هنا، حيث برزت أسماء مميزة مثل (عريب) التي كانت مغنية وعازفة ماهرة على آلة العود، فقد كانت تغني عند الخليفة الواثق الذي عرف عنه اهتمامه بالتلحين الموسيقي، كذلك المغنية (شارية) التي كانت تعتبر أشهر مغنية في ذلك العصر لحلاوة صوتها وجمالها وحسن مظهرها الساحر.
ولا ننسى هنا أبو فرج الأصفهاني الذي ذكرهن بالأسماء والأزمان في أكثر من مقام كانت فيه المرأة ملهمة ومميزة في سماء الغناء العربي، وذاع صيتها على قدم المساواة مع كبار المطربين، إلا أن مهمة التلحين كانت وستظل عصية عليها إلا فيما ندر، وفي حالات قد تكون فردية أو بسيطة، فالتلحين يتطلب الصبر والمطاولة، فقد تأتي الجملة الموسيقية في لحظة أو أنها قد تستعصي لأيام، هذه المطاولة التي قد تنفر منها المرأة، فهي بطبعها قد لا تستطيع ذلك، ولا يقتصر دور الملحن في وضع اللحن فقط، بل بقيادة العديد من المهام في التحفيظ والتوزيع وكتابة النوتة الموسيقية، كذلك الجهد والسهر داخل أو خارج الستديو، إذاً، فإن التلحين يحتاج تفرغاً كاملاً، وهناك من يرى ان التلحين من المحرمات باعتباره (تنفيساً) أو تفريغاً للمشاعر أو الرغبات، وهي أمور ربما لا يقبل بها المجتمع العربي، فصار هذا الأمر محرماً عليها، وربما قد يولد لديها رهبة أو خشية من خوض غمار تلك التجربة نتيجة انعدام الجرأة وضعف خيالها قياساً بالرجال، مفضلات الغناء بعيداً عن وجع الرأس والتعب الطويل. لكن تبقى هناك حالات فردية من هنا وهناك قد لا تمثل إلا رقماً بسيطاً إزاء ما قدمه الرجال من ألحان متنوعة لنساء حاولن الولوج إلى ذلك الأمر، وفي مجملها هي نقطة في بحر الإبداع الذي تسيد فيه الرجل عبر التاريخ.
أسماء نادرة
ومن الأسماء القليلة التي ظهرت عبر التأريخ المغنية (لور دكاش)، وهي ملحنة ومطربة من بيروت، كذلك المطربة الفلسطينية (كاميليا جبران) والمطربة (أسماء) وهي ملحنة من السودان، و(منار أبو هيف) التي تعد أول ملحنة مصرية و(نادره أمين) و(بهيجة حافظ)، وأسماء اخرى حاولت صاحباتها مجاراة الأمر واقتحام الأبراج العاجية لكبار الملحنين العرب الذين أغدقوا على الساحة الغنائية بروائع لحنية كبيرة سيذكرها التاريخ ويدونها، تاركاً فراغ مساحة تلحين النساء يشوبها الكثير من التساؤلات والتحليلات التي تشترك فيها أسباب ومسببات ربما تحتاج إلى أكثر من دراسة معمقة قد تكون نفسية أو فسلجية او وراثية.. وحتماً فإن للحديث بقية.