النص الأول في ذاكرة نخبة من الكُتاب سعادة الدخول لعالم الأدب

361

سامر الياس سعيد /

لذة وسحر خاص هما الشعوران اللذان يمكن الاستعانة بهما لوصف لحظات رؤية الاسم المطبوع لأول مرة لأي كاتب على صفحات مجلة أو جريدة .. إنَّها بمثابة الخطوة الأولى التي تتزامن مع عشرات الأفكار التي تدور في مخيلة الكاتب وتدفعه للبحث عن أفكار جديدة لتوظيفها في نص ثانٍ وثالث، ربما يجدان طريقهما للنشر على صفحات تلك المطبوعة.
ومهما طالت أشواط الكتابة واختلفت محطاتها فإنّ الكاتب، ورغم بلوغه مكانة أدبية، مرموقة وما حقّقه من إنجازات في مسيرته الكتابية، تبقى تلك اللحظة التي رأى فيها اسمه مطبوعاً في جريدة أو مجلة، ذات لذة وسحر خاصين في ذاكرته ووجدانه يستعيدهما بدفء وحميمية من وقت لآخر..عن تلك اللحظة توقّف عدد من أدبائنا ليحيطوها باستذكاراتهم ويستعيدوا شريط الذكريات متوقفين عند تلك المحطة الأولى، حيث نصهم مطبوعا في جريدة وأعماقهم تحلّق فرحا بهذا الإنجاز الأدبي الأول الذي حقَّقوه في حضرة الكتابة وبما أن أدباء الموصل في فترات تحليقهم الأولى لم يكونوا على تماس مع صحف بغداد ذائعة الصيت فآثروا أن يبدؤوا خطوتهم الأولى من نافذتهم المحلية الوحيدة؛ ممثلة بجريدة الحدباء التي صدرت لأول مرة عام 1979 وتوقّفت عن الصدور بعد عام 2003 قبل أن تستأنف إصدارها محافظة نينوى في محطات متباينة قبل أن تتوقف تماما لغياب الدعم المادي وقلة الإقبال على الصحيفة الورقية الا أن ذكريات الأدباء بقيت راسخة.
مفتاح الدخول لعالم الأدب
الروائي العراقي المغترب نوزت شمدين الذي قال عن لحظات رؤية نصّه الأول منشورا في جريدة بأنها، كانت خربشة صغيرة نشرت لي في الصفحة الأخيرة لجريدة الحدباء مطلع العقد التاسع من القرن المنصرم. ويضيف شمدين عن تلك اللحظات ما زلت أذكر فرحتي العارمة ـ وقراءتي المتكررة لتلك الكلمات القليلة في عددها والكثيرة جداً في معانيها. وما زلت أنظر بعين الامتنان والشكر للدكتور ذنون الأطرقجي الذي أخذ مني المادة ونشرها. تشجيعه لي في ذلك الوقت منحني الحافز للمواصلة وربما منحني في ذلك اليوم مفتاح الدخول لعالم الأدب الفسيح الذي أعيش فيه الآن.
اقتنيت 6 نسخ من الجريدة
أما الاكاديمي والكاتب الساخر أحمد جار الله ياسين فتوقف عند محطات نصه الأول الذي رأى النور في جريدة الحدباء أيضاً، فأشار إلى أن أول نص لي نشر في جريدة الحدباء عام 1994 وكان قصيدة نثر قصيرة، والفضل في نشره يعود للدكتورة بشرى البستاني التي شجعتني على النشر في الصحف، وعندما وقعت بين يدي الجريدة شعرت بسعادة كبيرة جداً أولاً، لأنّها أول مرة وثانياً لأن النشر في جريدة يشرف على صفحتها الثقافية كبار الادباء مثل د. بشرى البستاني . ود. ذنون الاطرقجي، والاستاذ عبد الوهاب اسماعيل.. حينها اقتنيت 6 نسخ من الجريدة فرحا بالنشر فضلا عن صعوبة النشر حينها لقلة الصحف والمساحات الثقاقية بسبب الحصار والأهم في الأمر أنَّي نشرت قصيدة نثر بمعنى نشرت النص الذي أحب الكتابة فيه، على الرغم من هيمنة الشعر العمودي على المزاج الادبي العام وكانت تلك البداية لنشر أسبوعي تقريبا في الجريدة وفي مجالات أخرى كالقصة والمقال وشعر التفعيلة ومازلت احتفظ بالجريدة في أرشيف خاص كنت أكثر ما أخشى عليه في أيام الحرب مخافة فقده.
مشابهة لمخاض الولادة
بينما أبرز الأديب هيثم بهنام بردى رؤيته نحو محطة النص الأول مشبها إياها بمخاض الولادة إذ قال البدايات في الكتابة كالولادات: ألم، مخاض، ثم ولادة، ثم وليد، ثم كيان وتأسيساً على هذا التشبيه لا يمكن لأي أديب يتوشح بالإبداع أن لا يذكر الكلمة الأولى التي سطّرها على أديم الورق ولا يمكن قط أن ينسى الفرحة الأولى وهو يتأمل الكيان الذي ولدته ذاكرته البكر، ويبقى هذا الوليد البكر يرن في الذائقة مهما تقادم في العمر والتجربة.
وأذكر أنني في ضحى يوم ربيعي مشمس وأنا أتأمل دجلة على سطح دارتنا في الحي العتيق الذي يتكئ كشيخ خائر القوى على كتف حفيده الشاب العضل الذي ينساب وهو يغنّي للموصل أغانيه الجميلة التي قد يبخل بها عن سائر القرى والكور والضياع التي تتريض بفرح على شواطئه، راودتني صورة فريدة فما كان مني إلاّ وأن أمسكت القلم وسطرتها فتوشحت على هيئة صورة قصصية، بعثتها إلى مجلة (الاشتراكي) التي كانت تصدر عن جامعة الموصل فنشرت في العدد القابل، ولك أن تتصوّر فرحتي التي لا توصف وأنا أقرأ اسمي جنب توصيف “قصة قصيرة”، ولم تفارقني المجلة قط فكانت توأماً لكتبي المنهجية اصطحبها معي صباح كل يوم واتصفحها للمرة المئة والباص الأحمر يشق عباب شارع الفاروق باتجاه المستشفى حيث المعهد الذي كنت طالباً فيه.
وأحسست بعد فترة وجيزة أن هذه البداية كانت أكرة البوابة التي طرقتها بكف ذائقتي للولوج إلى العتبة التي تفضي إلى ممالك القصة الساحرة… وفي يوم ما وأنا اتصفح الكتاب المقدس وتحديداً في الاصحاح الذي يتحدّث عن سمعان القيرواني، تقاطرت إلى ذاكرتي فكرة تقصّي حياة هذا الانسان الكدود فكتبت صفحات ثلاثاً في كراستي، حين قرأتها أيقنت أن المدى الفسيح لرحاب السرد القصصي انفتحت أمامي تماماً، فأخذتها قاصداً كنيسة مار توما حيث مقر مجلة (الفكر المسيحي) وقابلت الأب جرجس القس موسى رئيس التحرير، وحين قرأها تملاني بفرح وقال مشجعا: ستجدها منشورة في العدد القادم.
وكانت أياماً مشحونة بالترقب وأنا أتوسلها أن تترى كي يصلني العدد الجديد، وما أسرع ما تواترت الأيام وما أجملها تلك اللحظة وأنا في حاضرة المجلة وفي حضرة القس موسى أتملى قصتي (الشيخ الذي رأى الحق مظلوماً) منشورة في العدد الذي صدر في نيسان عام 1975، ولكن القفزة النوعية حدثت عندما نشرتُ في العدد العاشر من مجلة “الطليعة الأدبية” الذي صدر في تشرين أول من العام 1975 بعد أن تعينتُ في أرياف محافظة الأنبار قصتي (تل الزعتر) وتلك لعمري كانت قمة الفرح والحبور واليقين أن ثمة في أعماقي قاصاً يتكوّن اسمه “هيثم بهنام بردى”، فهذه المجلة الرصينة كان يتمنى الأدباء في العراق وخارجه النشر فيها وهذا الأمر كان أشبه بالشهادة الفخرية التي تمنح للأديب لولوج عالم النشر في أمهات الصحف والمجلات أينما كانت، وكانت بالفعل أشبه بالمعجزة يجترحها شاب يغادر العشرين نحو سنة جديدة من عمره الحياتي المديد المقرونة بمسيرة إبداعية لا تستكين.