“الولد الغبي”لحسن العاني.. الرواية التي رفضتُ نشرها يوماً

374

 باسم عبد الحميد/

هذه الرواية تأبطت الموت مرارا زمن كتابتها الأول, فقد كنت أخشى أن يفعلها كاتبها وتسوّل له نفسه, أو يسوّل له أعداء النظام السابق، فيطبعها خارج العراق بحجة أنها مجرد عمل أدبي لايضر أحدا.

بذلك – لو فعلها حسن العاني- لأضاف الى ألقابه لقب (الشهيد المغدور) بعد أن منع من الكتابة قبل 2003 بسنوات بسبب تطاولاته المزعجة على تصرفات أزلام النظام عبر بابه الصحفي الأسبوعي الذي كان ينشره تحت عنوان(ضربة جزاء) الذي اشتهر به ومازال.

كانت رواية (الولد الغبي) الصادرة حديثا أساسا لنوع من أنواع القصة القصيرة الطويلة تقدم بها العاني ومجموعة من القصص القصيرة الأخرى منذ بدء عام 1999 الى دار الشؤون الثقافية العامة للطبع تحت العنوان نفسه.

وكان من حسن حظ العاني –الذي لم يكن ممنوعا من الكتابة القصصية!- أن تعطى المجموعة لي كخبير نشر.

ووجدت أن القاص العاني قد ارتكب من الجرائم الكثير, وهي ليست جرائم أو جنح نشر عادية, بل تعد نوعا من الفضح المباشر لتصرفات رأس النظام وسلوكه في العمل السياسي – الذي حوله العاني الى لون من ألعاب كرة القدم داخل المدينة – وجعل سلوك (الباشا) أو (الكابتن) وهو رأس النظام قريبا من سلوك الحاكم مع أبناء شعبه، فيما كانت تفاصيل حياته مشابهة لتفاصيل الحياة الشخصية لصدام حسين, إلا ما ندر في بعض التغييرات التي تعمدها وهو يظن أنه يعمي على هدفه المثقل بالتجاوز والحنق على المألوف!
البطل سالم الراعي

كان كمن يريد تسليم رقبته للموت طوعا, وكانت رقبتي كخبير قريبة من رقبته الكريمة.. لو حدث وأجزت طبع تلك المجموعة القصصية التي كان عنوانها (الولد الغبي).

بطل القصة هو سالم الراعي الذي تحول اسمه الى سالم الغني وقد اكتسب لقبه عن أبيه عبد المجيد الراعي.
يقول حسن العاني في ص 13 من الرواية: (كان عبد المجيد كما أخبرني والدي وهو يحذرني أن أهمس ولو مجرد همس بهذا الحكاية القديمة راعيا عند رجل ثري يدعى عبد الله الغريب، وهو رجل لايعرف أحد شيئا عنه أكثر من كونه إنسانا أمضى حياته من غير أسرة ولا أقارب وأنه قدم من الصحراء مع ثروته الكبيرة التي قدرت يومها بألف رأس من الماشية, وكان عبد المجيد هو الراعي الذي اعتمد عليه الغريب) ويشير الروائي مرارا على ألسنة عدد من الشخوص ما كان متداولا في المدينة من أن الراعي عبد المجيد قتل عبد الله الغريب واستولى على ثروته, وأن ابن عبد المجيد (وهو سالم الغني) الذي لقب بالكابتن مرة وبالباشا بعد هذا, استولى على الثروة بعد مقتل والده.
الراوي الذي يطلق عليه والده لقب (الولد الغبي) لانصياعه الى أوامر وتوجيهات الباشا (سالم الغني) يعلن له هامسا ص24 (سالم هو الذي قتل الغريب وحين انتقلت الثروة الى أبيه عبد المجيد الراعي, قتل والده. هل تدرك معنى أن يقتل الإنسان والده ويستولي على ميراثه, وهكذا أصبح سالم الراعي بين ليلة وضحاها ، يحمل لقب الغني واستطاع أن يشتري المدينة).

لكن الولد راوي الأحداث لايصدق والده بل يسخر منها، فيكرر والده وصفه بالولد الغبي, لأنه منحاز للباشا الذي يشرف على فريق كرة القدم في المدينة ويتحرك فيه ببراعة يرقبها الباشا بإعجاب ويكرر من إيضاح حبه للاعب الصبي, فيقابله ويصغي الى مديحه بفرح ويكافئه مرارا بظروف مالية, يرفضها والده, لكنه يحتفظ بها عند والدته التي تجد في علاقة الفتى بالباشا سالم الغني نوعا من الفخفخة والمال والسمعة الطيبة داخل المدينة التي وضع سالم الغني مقدراتها في جيبه.

المهم أن الأحداث تتطور بشكل جعلني أقوم بمنع هذه القصة من النشر أيامها, ولخوفي من جنون حسن العاني قمت برفضها فنياً ولم أكتف بذلك بل رفعتها من المجموعة التي صدرت بعد هذا تحت عنوان (رقصة الموت)عام 2004.

بقيت (الولد الغبي) عند كاتبها الذي وجد الفرصة سانحة للتطوير داخلها حيث أضاف إليها بعض التفصيلات لتكون على هيئة هذه الرواية التي قدمها الى القارئ, حيث طبعت عام 2016 بعد طول معاناة مع دور النشر وظروف الحياة.

لم يكن الولد الغبي غبيا حقا, لكن هذا اللقب أطلقه عليه والده بعد أن رفض تحذيراته من الوقوع في أسر الباشا وإعلان إعجابه المتناهي به, فقد كان الوالد يعرف عن سالم الغني الكثير, وعن حياته الماضية الملتبسة التفاصيل, لكن الولد كان لاعبا مميزا في فريق أشبال الباشا وهو يلعب بطريقته في اللعب حيث لا يؤمن باللعب الجماعي بل يقف متواريا عن بقية اللاعبين ثم يخطف الكرة بغتة ليصنع بواسطتها هدفه الجديد.. في مرمى الخصم.

دهاليز معرفية

تفتح الرواية مغاليقها تدريجيا فهي أشبه بدهاليز معرفية تتضايع فيها المادة الدرامية هنا وهناك بصورة متعمدة وماهرة, هي أشبه بالطريقة التي يتقنها الراوي والباشا في لعبة كرة القدم, فهو يظهر حكاية في مكان ويدسّ داخلها معلومة تقلب المعادلة الدرامية لتضع أمامك (حقائق) جديدة تكشفها الرواية, وإذ نحاول تعديل العمود المنطقي للأحداث نكتشف ما يلي:

1-أن الباشا لم يكن معجبا بكرة القدم بل كان يحكم المدينة التي بناها المنصور ليستفرد هو بها وبأهلها ومصائرهم.

2- أن سلمان الصالح والد الراوي كان زميلا للباشا في العمل السياسي, وأن الشيخ الصالح جدّ الراوي كان حاكم المدينة بأمر من السلطان العثماني وقد ألقت الشرطة القبض على سالم الغني بتهمة التمرد فأطلق الصالح سراحه.

3-بعد وفاة الصالح وتقلب الدنيا تم القبض على ولده سلمان بتهمة وأخرى تحمّل فيها أعباء تعذيب شديد من دون أن يعترف على سالم الغني, لكنه كان يعرف عن سالم وقتله لأبيه الكثير.. كانت تفاصيل حياة الباشا مكشوفة لسلمان الذي خشى كثيرا من ارتباط ولده به, وقد لقب ولده بـ(الغبي) لأنه لم يكن يأخذ بتحذيراته حتى وقع في حالة كآبة حادة أفقدته حياته عند نقله وزوجته – بأمر من الباشا – الى قصر منيف من قصوره خلال رحلة ولده خارج (المدينة).

مغامرات متعددة

لابد من القول بعد هذا أن المؤلف دفع بطله الى مغامرات متعددة مع سارة التي كانت في بلاد الغربة ومع خالدة السيد, ابنة مدينته التي أحبها وتزوجها الباشا نكاية به ثم قتلها, في وقت منعه من الاقتران بسارة تحت تهديد قتلهما معا.

عندما عاد الولد من الخارج عاد مشردا في الشوارع فقد ضاع بيته الأساسي ورحلت أمه الى بيت أخيها, وهكذا يجري تحطيم بنيته الشخصية بالتدريج وتضييع هويته بعدما خالف الباشا, الذي خالف كل الدنيا بإصراره لا على موت الحرية في بلده, بل على وهم خلوده الزائف من خلال العذابات التي قدمها لكل من خالفه.