برهان شاوي: طرقت أبواب الإبداع بروح الشاعر

421

علي السومري /

بُرهان شاوي شاعر وروائي وسينمائي ومترجم وأكاديمي عراقي ولد في العام 1955، بـدأ النشر في الصحافة العراقية والعربية منذ العام 1971، درس السينما في موسكو، والإعلام في ألمانيا، ثم التاريخ والعلوم السياسية في جامعة موسكو الدولية لعلوم الاجتماع في روسيا، غـادر العراق في العام 1978 بعد مضايقات سياسية وأمنية، تعرض خلالها للاعتقال.
أصدر العديد من الدواوين الشعرية، بينها (مراثي الطوطم، رماد المجوسي، ضوء أسود، شموع السيدة السومرية) والعديد من الروايات مثل (الجحيم المقدس) و(المتاهات) وكتب أخرى.
“مجلة الشبكة” التقته وأجرت معه هذا الحوار، حوار ابتدأناه بسؤال:

• كتبت الشعر ودَرست السينما واشتغلت في المسرح، فضلاً عن مشروعك الروائي، أيهما أقرب لروح (الشاوي)؟
– أنا شاعر، وتوجهت لكل هذه الفنون وطرائق القول بروح الشاعر، أنا في المسرح شاعر وفي السينما شاعر وحتى في الرواية توجهت إليها بروح الشاعر، الشاعر ليس بمعنى نظم القصيدة وإنما بمعنى رعشة الشعرية في داخلي، رعشة الوجود، والشعرية كما تعرف موجودة في الحياة والوجود وفي العلاقات الاجتماعية، بالتالي فإن الحديث عن الشعرية هو ليس الحديث عن الشعر، بالنسبة لي كتابة الشعر كانت بدايتي، وهي المهيمنة عليّ منذ أربعين سنة، أصدرت خلالها سبعة دواوين شعرية، وترجمت أربعة دواوين شعر عن اللغة الروسية، الفنون الأخرى كالسينما والمسرح هي فنون أدائية جماعية، ولكن حينما توجهت إلى الرواية، كانت بالنسبة لي هي قلب مقولة (النفري) والتي يقول فيها : “كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة”، في الرواية العكس، كلما اتسعت الرؤية تفجرت اللغة وفاض الكلام وفاض السرد، وبالتالي هذه المقولة ساعدتني كثيراً، فهناك الكثير من الأشياء التي لا تستطيع حصرها في قصيدة، إشكالات فكرية وفلسفية واجتماعية ونفسية وجنسية وعنف سياسي، وهذا لا يمكن حصره في نصّ شعري، وبالتالي توجهت إلى الرواية، وفي الحقيقة جميعها قريبة على نفسي، لكن الأقرب إلى نفسي حقيقةً هي الرواية لأني أكون فيها المهيمن على العمل الكلي.
• حدثني عن سلسلتك الروائية (المتاهات) والتي مُنعت في بعض البلدات العربية، وهل تم منعها في العراق؟
– لا لم تُمنع في العراق وهي موجودة في شارع المتنبي ومعارض الكتب العراقية، لأنه لا توجد رقابة هنا، هذا أولاً، وثانياً السياسيون هنا والحمد لله لا يقرأون الكتب، أما خبر المنع في دول الخليج والأردن والمغرب وسوريا فجاءني من دار النشر، وهي الدار العربية للعلوم (ناشرون)، وأيضاً منشورات (ضفاف) و(دار الاختلاف) الجزائرية، وقالوا لي بأن رواياتي منعت وأن اسمي في القائمة السوداء، وفق تقارير اتهمت رواياتي بالتهجم على المقدس والسخرية منه ونشر الفحشاء، علماً بأني لا أتهجم على المقدس وإنما أحاول تفكيكه.
• لنتحدث عن السردية العراقية، كيف تراها اليوم وهي تصل إلى العالمية؟
– يعني لا نريد أن يأخذنا الشعور الوطني في الحديث عن الرواية العراقية والسرد العراقي، ولكن هذا أيضاً لا يمنعنا من أن نتوقف باحترام شديد أمام تجارب روائية مهمة استطاعت أن تتجاوز محليتها ونافست السرد العربي لتصل إلى العالمية سواء في داخل العراق أو خارجه، لدينا أسماء وتجارب مهمة، ولكن وللأسف أن النقد العراقي هو نقد متخلف عن الرواية العراقية، على عكس التجربة الروسية، في روسيا مثلاً كان النقاد مثل (تشرنوفيسكي) و (دوبلوروف) هما اللذين خلقا حركة روائية روسية، حينما صدرت رواية (الفقراء) لديستوفيسكي استقبلوها وجرى احتواؤها من قبل النقاد ودفعوا بها إلى آفاق أخرى، وكل إنتاج كان يصدر في روسيا، يتابعه النقاد ويحتضنوه ويشجعون الكُتـّاب، وهو ما ساهم بخلق تيار واضح المعالم هناك، هنا على العكس، لدينا الشُللية والإخوانية والتهميش وأنوية الناقد الذي يعتقد بأنه الحاكم وهو الذي يقرر وينتظر من الروائي التوسل به من أجل أن يكتب عنه كلمة هنا أو هناك، هذا هو الموضوع.
• ما الذي يُميز مشروعك السردي عن مشروع مجايليك؟
– أنا لدي مشروع روائي، وهذا المشروع تشكل فلسفياً وفكرياً، لا أريد أن أتحدث عنه كثيراً حتى لا أقع في المبالغة، لكن مثلاً مشروع (المتاهات) هي رواية واحدة في تسع روايات متسلسلة تتناص بشكل معاكس مع (الجحيم) لدانتي، دانتي لديه الجحيم يتألف من تسع طبقات يصل فيه إلى الشيطان، أنا أصعد في المتاهات لأصل إلى الله، لهذا هي مشروع روائي، لا أبالغ إن قلت بأنها ربما أطول رواية عربية موجودة، حتى أطول من كتاب ألف ليلة وليلة، بحدود خمسة آلاف صفحة وفيها مئتان وخمسون شخصية، تتميز أيضاً بتجنيس البطل، فيها مثلاً مئة واثنان وخمسون شخصية باسم (آدم)، ومئة وست شخصيات باسم (حواء)، الاختلاف بينهم في اللقب فقط، مثل آدم المطرود، آدم التائه، آدم التكريتي، آدم الضبع، وأعتقد أن هذه خصوصية في التجربة، أعتقد لا توجد تجربة سابقة كل أبطالها اسمهم آدم وكل النساء اسمهن حواء، هذا ضمن خصوصية التجربة إلى جانب جغرافيتها المتوسعة، إلى جانب قيامي بترجمة كتب في الفيزياء الكونية من اللغة الألمانية إلى اللغة العربية في تسعينات القرن المنصرم، هذه الثقافة العلمية استخدمتها في بناء النصّ الروائي، وهذه المسألة مطروحة للنقاد لمتابعتها إلى جانب أن هذا أبعدني عن الجوائز لأن واحداً من الشرط في الجوائز أن لا تكون متسلسلة.
• هناك فجوة كبيرة بينكم وبين جمهوركم.. أعني الذين يقطنون خارج العراق، هل ساهمت السوشيال ميديا بردم هذه الهوة؟
– بالتأكيد ساهمت، مثل الفيسبوك والمواقع الإلكترونية ساهمت كثيراً بتوصيل أخبارنا على الأقل ولكنها أيضاً ليست بشكل منظم، اليوم أصبح كل كاتب هو مدير أعمال نفسه من خلال استثمارها بنشر ما يكتب عنا أو نشر أخبارنا، وهي بهذا الشكل أسهمت كثيراً وساعدتنا.
• سؤال أخير، ماهو جديدك؟
– بدأت برواية ما بعد (المتاهات) هي (فندق باب السماء)، رواية حاولت فيها أن لا تكون صدىً أو ترجيعاً للمتاهات، يجب أن تكون عملاً مختلفاً عن المتاهات، وأعتقد أنها ستكون كذلك.