بعدما كان علامة فارقة في جسد المسرح العربيّ هل أضاع مسرحنا هويته ؟

291

أحمد عبد الحسين/

طالما كان المسرح العراقيّ علامة فارقة في جسد المسرح العربيّ منذ ثمانينيات القرن الماضي، أي مع بدء تشكّل الملامح الواضحة في التجريب المسرحيّ على يد فنانين مغامرين من أمثال الراحل عوني كرومي وصلاح القصب وشفيق مهدي وسواهم ممن أسهم في جعل العمل المسرحيّ العراقي أيقونة يُشار لها بكثير من المحبة والاحترام في عواصم العرب.

واليوم إذ تحلّ ذكرى يوم المسرح العالمي آثرت «الشبكة» أن تعيد سؤال المسرح العراقيّ بهذه المناسبة، ما المآل الذي صار إليه مسرحنا بعد سلسلة وقائع سياسية واجتماعية عصفت بالبلد؟ أما زال هذا المسرح يمتلك المقوّمات التي تجعله في الريادة عربياً؟ ما هي أبرز الملامح التي شكّلت هويته، وهل ما زالتْ تلك الملامح واضحة أم أنها غارتْ وبهتت ألوانها بفعل عواصف السياسة؟

حملنا أسئلتنا هذه وتوجهنا بها إلى بضعة فنانين مسرحيين لهم حضورهم في المشهد الفنيّ العراقيّ الحالي.

أية هوية للمسرح العراقي؟

سألنا أولاً عن أبرز الميّزات التي صاغتْ هوية المسرح العراقيّ وكيف يرى المسرحيون ملامح هذه الهوية، وهل حافظتْ هذه الميّزات على بقائها أم طالتها يد الاندثار؟
الفنان قاسم السومري استبعد أن تكون هوية مخصوصة للمسرح العراقي، معتبراً أن استيراد النتاج الثقافي مرض لم تنج منه تجاربنا المسرحية، مؤكداً أن «المسرح فنّ إنساني المحتوى والأهداف والغايات, والهوية يمكن تلمسها في الأساليب والرؤى أولاً وفي توظيف الموروث والفولكلور القابل للمسرحة. ولا أظن أن مسرحنا العراقي قد تلمس الطريق الى هذه العتبة, فمثلما تستهلك ثقافتنا على العموم منتج الآخر الثقافي، فإننا في المسرح نسعى لملاحقة ما تنتجه المدارس المسرحية العالمية لتلبية النزعة الاستهلاكية وإشباعها”.

لا هوية مميزة

الدكتور جبار حسين صبري شارك زميله السومريّ قناعته بعدم تمكننا من تلمّس ملامح هوية مميزة، لكنه أحال ذلك الغياب إلى سبب أكثر شمولية يتعلق بسياسة الدولة ونهجها العامّ قائلاً: «بالضرورة ترتبط هوية القطاعات المتعددة في الدولة الواحدة برؤية الدولة العامة، ولما لم يستطع العراق إنتاج رؤية عامة تتصيّر قالباً شاملاً يحتوي تلك القطاعات ومنها الفن المسرحي، أو تتصير نسقاً قيمياً تستظل به تلك القطاعات وتدور في فلك معطياته، إذن بالضرورة لا تتوافر الملامح التي من شأنها أن تحدد نموذجَ ما يمكن تسميته بالهوية».

غياب التقاليد

وتحدث صبري عن العناصر التي من شأنها صياغة هويّة لأي نمط فنيّ بقوله “إن من مستلزمات صناعة الهوية فرض سلسلة من التقاليد المهنية التي تكون معياراً تتقيس به التجربة المسرحية عموما وتكون موجهات عمل تتضح في إدارة الفن المسرحي قيمة وسلوكاً واقتصاداً وإنتاجاً في الدولة؛ ولكن ما نلحظ جميعاً أننا مازلنا غير قادرين على تخصيص نماذج من التقاليد التي من الممكن ان تعبر عن أنماط التداول في المسرح”.

وخلص إلى القول أن تشكيل الهوية ليس أمراً تلقائياً بل تواجهه صعوبات جمّة لخصها بنقطتين جوهريتين، فقال: «من المهم بمكان القول أن تحديد هوية لقطاع المسرح في أية دولة يعد أمراً بالغ الصعوبة وذلك لأسباب منها:

١- المسرح فعل ثقافي وهذا الفعل عابر لحدود المكان والزمان

٢- تخارج الفعل الثقافي المسرحي من فرن الذات وبالتالي فإن أفران الذات متعددة وغير محددة وهي أيضاً عابرة للزمان والمكان.

تواصل وتنظيم

المخرج المسرحي حاتم عودة آثر أن يجيب عن سؤال الهوية المسرحية مداورة فقال أن «الهوية أو السمة تبرز حينما يكون هناك نظام مسرحي متوازن . أي أن المسرح يكسب تميزه عندما يكون هناك تواصل مع الجمهور في موسم مسرحيّ منظم ومعلن عن تفاصيله مسبقاً. وعليه فان كثافة التواجد المسرحي ونشاط الفرق والمسرح المستقل هو الذي يحدد الهوية أو السمة».

مكانة المسرح العراقيّ عربياً

ثاني الأسئلة كان يتعلق بالمكانة التي يشغلها المسرح العراقي على الصعيد العربيّ، فمعروف أن العروض المسرحية العراقية كانت محطّ اهتمام عربيّ متزايد منذ ثمانينات القرن الماضيّ، غير أن ظروف البلاد أحالت الفنّ عموماً إلى مكان قصيّ من الاهتمام، فهل انكسرت أيقونة المسرح العراقيّ في أنظار أشقائه العرب؟

المخرج حاتم عودة أشار إلى أن الميّزة الأهم التي حفل بها المسرح العراقي هي الجرأة، عاداً إياها الرافعة التي أوصلت مسرحنا إلى العرب، فقال: «هناك ميزة مهمة أبرزت العروض العراقية عربياً وهي الجرأة. والجرأة هنا في كل شيء؛ على مستوى التفكير الحرّ، في الشكل أو المضمون. ولذلك فإن المسرح العراقي يعتبر متميزاً عربياً. وهذا جاء بسبب تراكم الخبرات والمجايلات والدرس الأكاديمي والتجريب المستمر”.

حضور ومقارنة

أما د. جبار حسين صبري فأشار إلى أن القول بمكانة المسرح عربيا يقتضي التوافر على الحضور والمقارنة.

وفيما يخص الحضور أوضح صبري أن المسرح العراقي يتواجد حتى اللحظة في المهرجانات العربية، وفي التنافس وترك الأثر في طريقة تحرير خطابه.

أما فيما يخص المقارنة فإن قلة المتنافسين من حيث الجودة عربياً لا يعطي صورة واضحة عن مكانة المسرح العراقي ولكن حين نزج به عالمياً ندرك أننا مازلنا في طور الطفولة ونحتاج إلى المزيد من التفكير والتخطيط والتواصل وإعادة بناء الذات المسرحية بما يجعلها واعية في بلاغة مهارات العمل والتكنلوجيا ومهارات الرؤى والمعالجات.

مكانة متقدمة

المخرج قاسم السعودي أشار إلى أن «المقاسات توضع على معايير قياسية.. وهي بالضرورة معايير عالمية تقيس جودة المنتج المسرحي من ناحية الابتكار والحرفية والتقنيات المستخدمة وغيرها من المعايير. ومسرحنا العربي على العموم لم يرتق إلى التوافر على هذه المعايير».
أضاف السومري: «إذا ما أردنا تقييم المنتج المسرحي العراقي عربياً, فأنه يتبوأ مكانة متقدمة بين المسارح العربية».

عاجزون عن إنتاج المعرفة

ثالث الأسئلة كانت متعلقاً بمفصل مهم من مفاصل العملية المسرحية، نعني به التنظير الذي يلحظ المهتمّ غيابه شبه التامّ عن واقع المسرح العراقيّ، سألنا الفنانين الثلاثة عن أسباب غياب التنظير المسرحي وآثار هذا الغياب.

المخرج قاسم السومري أجاب بأن العقل العربي عاجز عن إنتاج المعرفة, ليس بسبب عوامل بايولوجية بل بسبب عوامل اجتماعية وثقافية حاكمة ومتحكمة في حرية العقل في التجوال في مجال البحث والسؤال. ولم أجد تجربة تنظير أصيلة في المسرح العراقي سوى تجربة المفكر جبار صبري, المسكون بالإنتاج المعرفي وبالاكتشاف، فله نظريات أصيلة في مجال المسرح منها ( نظرية المجال الصفري) ونظرية المسرح الأنتروبي وغيرها التي تفترض الفحص والتقييم و(المحاكمة الأكاديمية لنعرف مصداقها وجدواها.

صورة مشوّهة

وعن السؤال ذاته، اي عن غياب التنظير في المسرح العراقي قال جبار حسين صبري «هذا أسّ المشكل الذي يعاني منه المسرح العراقي وهو السبب الرئيس الذي يجعله يجتر خطواته ويكرر تبعية إنتاجه ويمنع عن نفسه القدرة في خلق تقاليد أو رسم ملامح هوية تدل على فرادته أو تدل على تنامي أثره». معللاً ذلك بأن «المسرح في العراق كما هي الدولة عامة تعيش في بركة ردة الفعل إزاء ما يحدث. والتنظير هو فن صناعة الرؤى المتجاوزة لكل ردة فعل بل هو الذي من شأنه تصنيع الفعل الخاص. وإن عدم وجود طاقات في التنظير تحدد المسارات وتقدم فعل التجاوز يجعل السير في المسرح كفن تداولي كسير الأعمى في طرقات وعرة وصعبة وهو إذ يشاهد نفسه في المرآة يشاهدها ولكن بلا صورة بل مشوهة ومشوشة».

أما المخرج حاتم عودة فرأى ان «التنظير يأتي بعد وجود كمّ من التجارب و المجربين. وبما أننا الآن لا نرى هذا الكمّ فإننا في تصوري نحتاج إلى مركز دراسات وبحوث لمعرفة ودراسة ووضع خطط مستقبلية واستشرافية وعلاجية للمسرح وعلاقته بالجمهور».

بقع ضوء في الظلام

عن أبرز سمات المسرح العراقيّ التي تشكل خصائصه التي تفرّد بها، والتي كانت ملأى بالسلبيات من وجهة نظره، تحدث د. صبري قائلاً: «تتمايز السمات لأية قضية الآن ومنها المسرح على نحوين:

١- سمات الخطاب العالمي، ومنها: أ – التداول في الهوامش، ب – تعدد البؤر، ت – اعتماد الصورة كأساس للتعبير وغياب المرجع، ث – تسطح المضامين، ج – عدم اكتمال الدلالة والانفتاح على التأويل. وغيرها

٢- سمات الخطاب المحلي، ومنها: أ- السوداوية، ب -استسهال الفعل المسرحي، ت – تباين حاد في المستويات، ث – غياب التقاليد، ج – ضعف البنى التحتية، ح – عدم وجود دالة ضابطة في الادارة والإنتاج. وغيرها

غير أن صبري استدرك «هذا لا يعني مشهداً سلبياً غير مجد في ظهور تجارب تمايزت في خطابها وأثرها وجودة صناعتها الفنية والجمالية وهناك شواهد رغم ظروفنا الصعبة في لعبة الإنتاج، إلا انها كانت الشواهد الناضجة في مدار الفن المسرحي ومنها على سبيل المثال لا الحصر، مسرحيتا «يا رب» و»ستربتيز».

مقموعون وصناع حياة

قاسم السومري، طابق بين الوجود العراقيّ ككل وبين الفن المسرحي فيه فهم يرى أنهما صورتان لحالة واحدة «المسرح في العراق كما هو حال الوجود العراقي كله، لا تحكمه المعايير والمقاسات الطبيعية , هو نتاج عوامل غير قياسية لا تنطبق إلا على هذه البقعة من الأرض وعلى ناسها، فهم نتاج أناس محاصرين بالموت والجوع والخراب والفساد, ومن ناحية أخرى صنّاع مهرة للحياة تختزنها ذاكرتهم وتاريخهم وتجاربهم».

وختم بالقول «المسرح في العراق الآن تجسيد لهذا التوصيف.