بغداد ومحلاتها في الذاكرة

83

د.علاء حميد إدريس /

ظلت بغداد وتاريخها حاضرين في أذهان الباحثين في تاريخ العراق القديم والحديث على السواء، إذ تقدم هذه المدينة إطلالة واسعة على التقاليد والأعراف الاجتماعية عند العراقيين، فهي المدينة التي سكنتها أغلب فئات المجتمع العراقي، وكذلك هي مقصد لكل العراقيين لأنها عاصمة البلاد وفيها أغلب مؤسسات الدولة.
ولهذا يمثل كتاب “محلات بغدادية قديمة في الذاكرة” للباحث البغدادي رفعت مرهون الصفار، الصادر عن دار الحكمة – لندن عام 2014، وثيقة تاريخية تعرض لنا تاريخ بغداد ومحلاتها القديمة.
جاءت فكرة تأليف هذا الكتاب من محاضرة قدمها الباحث الصفار في منتدى بغداد بمدينة الكاظمية، التي أثرت النقاش حين عرضت على الحاضرين وأبدوا رغبتهم في توسعة مضامينها ومفرداتها ثم نشرها في كتاب لكي يطلع عليها المثقفون والمعنيون بالشأن الثقافي التاريخي العراقي.
يقع الكتاب في فصول عدة تناول فيها الباحث محلات بغداد القديمة، إذ تشكلت بغداد القديمة من محلات أصبحت تؤلف مجتمعها ونشاطات سكانه الاجتماعية والاقتصادية، كما قسمت تلك المحلات على أساس الحِرَف والسمات الاجتماعية لمن سكنها، وما امتازت به بغداد منذ نشأتها، ومحلاتها، التي أثرت في سلوك وتقاليد البغداديين الذين قطنوها، فحين تذكر أي محلة من محلات بغداد تحضر معها سماتهم الاجتماعية وما عرف عنهم من سلوكيات. يعرض الكتاب محلات بغداد “صبابيغ الآل والقُشل والهيتاويين، وباب الاغا، والشورجة والدهانة، وسراج الدين والصدرية والعوينة والدوكجية، ومحلة بني سعيد، ومحلة قنبر علي والتوراة وتحت التكية ضمن تسعة فصول، ويبدأ بمحلة صبابيغ الآل والقشل والهيتاويين لأنه يرى فيها أهمية تاريخية واجتماعية.
يكشف لنا رفعت مرهون الصفار عن أصول تسمية محلة صبابيغ الآل حين يقول: “لقد وجدت في الجنسية العثمانية العائدة لوالدي أن اسم المحلة باللغة التركية (آل بويجلر) “آل” بلامٍ مضخّمة تعني اللون الأحمر القرمزي، وبويجي صباغ ولر للجمع فيكون المعنى (صبابيغ اللون الأحمر القرمزي)” ص20، ثم يحيلنا الى كتب ألفت عن بغداد لكي تثبت أصل هذه المحلة، فيذكر كتاب بغداد مدينة السلام لمؤلفه ريتشارد كوك، ترجمة المرحومين د.مصطفى جواد والباحث فؤاد جميل عام 1967، وكتاب المستشرق جيمس فلكس جونز “أحوال بغداد في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر” ترجمة د.علاء موسى كاظم نورس، الذي وصف فيه محلات بغداد بشكل واسع، فقال عن محلة صبابيغ الآل إنها تتكون من عقد صبابيغ الآل وقهوة صبابيغ الآل وعقد كشاب وعقد اليرغانجي وعقد النصارى وقهوة الصندقجية وعقد شبارة والعقد الضيق، ويظهر الوصف مدى أهمية محلة صبابيغ الآل وما تحويه من عقود تنوعت حسب الحِرَف والساكنين فيها، ولهذا أصبحت هذه المحلة في بداية القرن العشرين يحدها من الشمال القشل والدهانة ومن الشرق سراج الدين والحاج فتحي ومن الجنوب القاطرخانة ومن الغرب سبع أبكار الدهانة، ولذلك يشير الصفار الى أن محلة صبابيغ الآل “تتكون من الفرع الرئيس (السويدان)، الذي تتفرع منه دربونة النفط، دربونة الفتال، دربونة التكمه جي، دربونة البستان ثم دربونة الصفافير، دربونة النصارى، عكد الخناق وعقد النصارى” ص21، وكان سكانها ينحدرون من قبائل عربية معروفة من قبيل خزاعة وربيعة وتميم.
يذكر رفعت مرهون الصفار في كتابه، أن أهالي محلة صبابيغ الآل وأغلب أبنائها اتجهوا إلى الاعمال التجارية والصناعية، ولذلك برز فيها تجار وصناعيون وأصحاب مزارع، فهناك من التجار الحاج مصطفى كبه والحاج عبد الغني كبه، ولكن من أبرز تجار هذه المحلة جعفر أبو التمن الذي كان وزيراً للتجارة عام 1922، وأصبح أكثر من مرة رئيساً لغرفة تجارة بغداد، كما تميزت هذه المحلة بالصناعات الشعبية التي مارستها بعض العائلات التي سكنتها، ويعود نمو هذه الصناعات الى فترة داود باشا والي بغداد، الذي أسس معمل “العبخانة” لنسج العباءات والأقمشة الصوفية والقطنية، وهذا المعمل كان يقع في منطقة حمام الراعي، التي أصبحت بعد ذلك تضم أول معمل للنسيج في العراق العام 1864، وكان آخر مدير لهذا المعمل السيد صالح إبراهيم زوج إحدى بنات فتاح باشا، الذي أسس معمل فتاح باشا في مدينة الكاظمية، ومع شهرة تجار محلة صبابيغ الآل وبراعتهم في التجارة، تميزوا في الجانب العملي الذي بدأ نشاطهم فيه حين تنبهت مجموعة متنورة من أبناء هذه المحلة بما تحمل من سعة في التفكير والسعي للاطلاع على مناهل العلم والمعرفة وآفاقها في دخول الكتاتيب أو المدارس العصرية، كان في طليعتهم “جعفر أبو التمن، وعلي البازركان، ومهدي الخياط، وعلي العينه جي” إذ تمكنت هذه المجموعة بتأييد من العلامة محمد سعيد الحبوبي، أن تُقنع الحاج سلمان أبو التمن، الذي بدوره أقنع والده الحاج داود أبو التمن ببناء مدرسة لتعليم الاولاد، ولقد لاحظ الحاج سلمان أبو التمن ضرورة تعليم الشباب علم الحساب واتقان اللغات الأجنبية لكي يكتسبوا المعرفة ومهارات العمل، وهذا ما دفع الحاج داود أبو التمن الى دعوة بعض وجوه المحلة الى داره ومنهم “الحاج عبد الغني كبه، والعلامة السيد عبد الكريم السيد حيدر، والسيد علي مهدي البغدادي والحاج مهدي الخاصكي وعلي البازركان والحاج حسين الشهربللي والعالم الديني الشيخ شكر الله والحاج سلمان أبو التمن والحاج جعفر أبو التمن” وقرروا تأسيس مدرسة وأخذوا يجمعون التبرعات لتأسيسها وسميت “مكتب الترقي الجعفري العثماني” التي غُيّر اسمها إلى المدرسة الجعفرية بعد احتلال الانكليز بغداد عام 1917، ويعود سبب هذه التسمية إلى إشعار رجال الدين بأن هذه المدرسة تعلّم أولاد المسلمين القرآن الكريم والدروس الدينية إضافة إلى الدروس العصرية، ص27.
يمنحنا كتاب “محلات بغدادية قديمة في الذاكرة” فرصة اكتشاف ما تغيّر في بغداد المدينة وسكانها، فحين نبحث عن بغداد التي رأينا صورتها التاريخية في هذا الكتاب، قد لا نجدها وكأننا أمام مدينة تقع تحت طائلة تغيير شبه مستمر، ولهذا لا نملك اليوم لها ملمحاً عمرانياً مستقراً يميّزها عن بقية المدن، وكأننا أمام مدينة عريقة جداً، لكنها بلا هوية معمارية!