بلد الحرف الأول يطبع كتبه في الخارج!

56

استطلاع أجرته: رجاء الشجيري – تصوير: بلال الحسناوي /

لعل أول تقنية طباعية في العالم كانت هنا في أرض الرافدين إبان الحضارة السومرية التي اخترعت الأختام الأسطوانية، إذ طوّر العراقيون القدماء تقنيات كتابية وطباعية أخرى، فما الذي يجعل عراق اليوم غير معدود في البلدان التي تطبع وتنشر وتصدر الثقافة؟
لم لا يثق المؤلف بدور النشر العراقية؟ ولا تثق دور النشر بالمطابع المحلية؟ أين مطابعنا وماذا تحتاج لتنهض وتصنع كتاباً ذا مواصفات وجودة تنافسان ما يطبع في الخارج؟ وهل يمكن إعادة سوق الطباعة وثقة المؤلف في أن يطبع منجزه هنا؟ موضوع تثيره “مجلة الشبكة” وتبحث في تفاصيله:
كلفةٌ عالية
في هذا الصدد تحدث (بلال ستار) من (دار سطور) قائلاً: “القضية ليست مرتبطة بالأجهزة والمعدات والمطابع ولا الورق ونوعيته، بل هي مرتبطة بالعمل كله، التسويق والخبرة، في لبنان لديهم هذه المقومات والخبرة العالية في هذا المجال، وقد حاولت الطبع في دول أخرى، لكني لم أحصل على الجودة المرجوة كالتي في مطابع لبنان.” وأشار إلى “أننا في العراق نواجه صعوبة في صناعة الكتاب، وثمة أسباب كثيرة تمنع الناشر والمؤلف من نشر مخطوطه هنا؛ منها الكلفة العالية جداً، إذ تكلف الضعفين مقارنة بكلفتها في لبنان مثلاً، والتعرفة الكمركية على الأحبار والورق، وهذا بعكس ما يجري في دول العالم، التي تسهل هذه الأمور لنشر الثقافة، فضلاً عن افتقارنا للخبرة التي هي أهم من كل التفاصيل، بل أهم أحياناً من التكلفة، بحسبه.” يضيف ستار: “ربما ليس مستحيلاً أن تكون لدينا سوقٌ ممتازة للطبع إذا ما تدخلت الدولة والجهة المعنية، وأعني وزارة الثقافة، في قضية دعم المطابع بشكل جاد ومدروس.
مواكبة التطور
أما (ناجي عبد الزهرة) من (دار نابو) فتحدث قائلاً: “عملية الطبع هنا يستلزم إحياؤها جهوداً جبارة، ودعماً كبيراً، وخبرة ورخاء واستقراراً سياسياً وأمنياً واقتصادياً لكي يعمل سوق الطباعة، وهي أمور تستغرق وقتاً طويلاً، ففي العراق ليست لدينا مطابع كبيرة وذات جودة عالية كما في لبنان وإيران، لدينا مطبعة كبيرة عملاقة وبمواصفات جيدة في شبكة الإعلام العراقي، لكنها تحتاج أيضاً إلى المضي في المنافسة والخبرة الطويلة، فالطباعة لدينا مرتبطة بسلسلة متصلة من المقومات التي يجب أن تتوفر وتستمر، في بيروت مثلاً أصبحت طباعة الكتب مهنتهم وسوقهم، فالحِرفة والصنعة ملعبهم منذ زمن دون منافس، وهذا لا يحدث بين يوم وليلة.” وأشار في حديثه إلى مسألة حظر الكتاب العراقي، إذ قال: “كان هناك حظر على الكتاب العراقي، وقد سمعت أنه رُفع، لكن دون نتائج ملموسة، فالكتاب العراقي حظر تصديره منذ زمن النظام البائد، وهذه تركة أثرت كثيراً على مواكبة الطبع وتطوره وتسويقه.” مضيفاً “أن عملية التسويق والترويج للكتاب مهمة أيضاً، وحتى في حالة طباعة الكتاب بمواصفات جيدة هنا، فانه سيبقى محصوراً ولا يأخذ نصيبه عربياً من النشر والتوزيع، بعكس ما يحدث لو طبع في لبنان، إذ سيوزع بحرفية في كل أنحاء العالم.”
عقلٌ إبداعي
في حين قال الدكتور (لبيد مالك المطلبي)، وهو متخصص في الكرافيك: “فلسفة الجماليات الآن بصورة عامة اتجهت نحو الصناعة، أصبح الكتاب صناعة و(تسليعاً) أكثر من كونه حقيقة موضوعية وجوهرية، الشكل المبتغى من الكتاب مادي، كما وفر الحاسوب أنماطاً ونماذج أبعدت المصمم عن العقل الابتكاري الإبداعي.” موضحاً “أن كل شيء جاهز ويفرض على المصمم الذي هو مجرد واضع للعناوين، كما تتم عملية شراء (لوكوات) للفن نفسه، في حين أن هناك ابتكارات وتطوراً في صناعة الكتاب عالمياً،” مضيفاً: “نعم لدينا مطابع، لكن لدينا مشاكل أيضاً، ألخصها بأربعة أسباب رئيسة: أولا (الفنش)، فليس لدينا هنا (فنش) وهو ضعيف، المتخصص في صناعة الكتاب سيعرف مباشرة الخلل فيه من الكعب إلى التعريش إلى نوع الورق المستخدم وامتصاصه للحبر ونوع الحبر الخ، ثانياً، استخدامات الورق، إذ لا يستخدم هنا الورق الجيد مثل (البالكي) و(البوفون)، بل يستخدم الورق العادي الذي فيه رطوبة، ما يسبب مشكلة بالطباعة، ثالثا التكلفة المبالغ فيها هنا قياساً بالموجود في الخارج، فهناك نجد أسعاراً مناسبة، لرغبتهم بديمومة المهنة وتسويق الكتاب، أما السبب الرابع والأخير فهو التصميم، وبصراحة يوجد هنا تلوث بصري يطول شرحه.”
(المطلبي) أشار إلى أن الكتاب قد يطبع ويوصف بأنه جيد أو مقبول، لكننا سنجده غُفلاً من أي (ستايل) أو هوية، وحتى دور النشر الموجودة في العراق، التي تطبع في لبنان وغيرها، قد تعطيك (ستايل) وهوية وتستمر عليها، لكنها مُعرّبة وليست (كرييتف)، مضيفاً: “أعرف دور نشر تطبع في لبنان لكني ألاحظ أن تصاميمها مسروقة من تصاميم غربية وبوضوح تام.”
معرقلات العمل
في حين لخص المصمم (خالد خضير) الأسباب في الآتي، إذ قال: “العوامل كثيرة، فمن ضمن تفاصيل التكلفة العالية هناك عامل الكهرباء مثلاً، فهو حاجز لأي مشروع هنا ومعرقل ومكلف ومتعب، لأن المطابع بحاجة مستمرة للمولدة والكاز وغيرها.” مشيراً إلى “وجود مطابع جيدة وحديثة، لكنها إن وجدت فالعامل فيها وصاحبها غير حريصين على عملهما وكيف سينجزانه فهما متكاسلان غير مباليين.” مبيـّناً وجود إشكالية كبيرة لخصها بقوله: “أغلب المصممين هنا ليسوا مصممين محترفين بل أناس توهموا أنهم مصممون، فقد يكون أحدهم منضداً مثلاً وتعلم بعض تقنيات التصميم وعند ذهابه إلى مكان عمل جديد يخبر المسؤول بأنه مصمم، وهم منتشرون في دور النشر والمطابع وهذا واحد من أسباب انحدارنا الكبير في هذا المجال.” مضيفاً: “ولا أنسى أن أشيد بالعتبة العباسية المطهرة وجهودها في صناعة الكتاب، فالعمل هناك واضح الجودة من حيث التصميم والطباعة وبـ (كوالتي)، وهذا يدل على أن كادرهم من المحترفين، لذلك فالنهوض بالطباعة ممكن جداً اذا ما توفرت عوامل إحيائه.”
مطابعُ حديثة
أما الروائي (جابر خليفة جابر) فيقول عن صناعة الكتاب هنا: “يمتاز سوق الكتاب في العراق بقارئ متميز كماً ونوعاً، وما ظاهرة شارع المتنبي الفريدة من نوعها في المنطقة والعالم إلا دليل على شغف العراقيين عموما بالقراءة واقتناء الكتب على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم. لكن الغريب في الأمر أن صناعة الكتاب في العراق لم ترتق إلى هذا المستوى العالي والمساحات العريضة من القراءة، لا على صعيد صناعة الكتاب عموماً، ولا حتى على صعيد صناعة الكتاب العراقي تحديداً، بل إن جملة (لم ترتق) ليست دقيقة، إذ إن صناعة الكتاب في العراق – على الرغم من تميز وكثافة القراءة فيه – لم تنهض بعد، ولم تزل تحبو قياساً لدول الجوار العربي وغير العربي والمحيط.” مضيفاً: “صحيح أن صناعة الكتاب الإسلامي بحال أفضل إذ تنشط المطابع في النجف الأشرف وكربلاء أكثر من غيرها من مدن العراق، لكنها هي الأخرى صناعة بدائية تفتقر إلى الترويج والتسويق الجيد كما هو الحال في العراق كله، أما صناعة الكتاب الأدبي والفني والأكاديمي فهي في أدنى مستويات الأداء والإنتاج كمّاً ونوعاً، بل تكاد تكون معدومة، وما دور النشر الموجودة حاليا في بغداد والمحافظات سوى وكالات نشر بالتوصيف العملي، وأغلبها، وقريب من الصحة القول كلها، تعتمد على مطابع لبنانية وسورية وأردنية ومصرية وإيرانية وتركية! فأين المطابع العراقية؟” ويستفهم خليفة جابر عن سبب عدم تخصيص الدولة جزءاً ضئيلاً جداً من موازناتها لتحديث مطابعنا القديمة وإنشاء مطابع حديثة حكومية أو مساهمة؟ مضيفاً: “هذه اللماذا صارت ممجوجة ومتكررة، وإذا كنا قبل 2003 وقبل الحصار ننتج في مطابع دار الشؤون الثقافية سلسلة الموسوعة الصغيرة وترجمات دار المأمون والمجلات الرصينة، فإننا عاجزون حتى عن ذاك القليل! لكن المؤسف أن وزارة الثقافة شهدت تولي بعض المثقفين المعروفين لها، لكنهم، ووفقاً للنتائج، ذابوا مع محيطهم السياسي.”
شغف العمل
بعد عرض تفاصيل آراء المتخصصين في عملية الطبع والإخفاقات فيها، برزت لدينا جودة إصدارات (دار ومطبعة الكفيل) التي تتميز بالجودة العالية المنافسة لمطابع الخارج، فكيف تحقق ذلك المستوى الفريد؟ سؤال توجهنا به إلى المهندس (فراس حاكم الإبراهيمي) مدير (مطبعة ودار الكفيل) الذي تحدث لـ (الشبكة) قائلاً: “جوابنا على سؤالكم يتلخص في الآتي: إن الإدارة العامة لدار ومطبعة الكفيل يتشعب منها اختيار طاقم العمل وتطوير قدراتهم ومهاراتهم باستمرار، وكذلك توفير كل الأدوات لفريق العمل، التي تساعدهم في إنجاز عملهم والطبع واختيار مكائن ذات جودة عالية من شركات رصينة وبمواصفات مدروسة تخدم السوق العراقية، إضافة إلى توفير المواد الأولية المنتقاة بدرجة أولى ملائمة للمكائن الموجودة.” مضيفاً: “وهكذا تحققت لدينا ثلاثة عناصر رئيسة مهمة: العنصر البشري الجيد الذي لديه الخبرة العالية القابلة للتطور المستمر، إضافة للشغف العالي بالعمل، وهو مهم جداً، إذ أن العامل لا يعمل مثل موظف عادي له وقت عمل ويذهب، فنحن بإمكاننا أن نملك مكائن حديثة ومعدات للطبع، لكن الإدارة واليد العاملة والطاقم هم الأهم جداً، ونحن ننتخب لهم من يزودهم بالمعلومات والخبرة أو نرسلهم في دورات تدريبة خارج العراق، مع التمرين المستمر المتمثل في أن الكل في الدار والمطبعة مسؤول عن الجودة.” مشيراً إلى “أن الحرص والمثابرة ومواكبة التطور جعلتهم فرحين بأن اسم مطبعة الكفيل في صناعة الكتاب، استطاع أن يحقق هذه الجودة رغم ظروف البلد،” مبيـّناً أن كبريات المطابع في لبنان وإيران والدول المجاورة تشهد لدار ومطبعة الكفيل بالجودة.
سألناه عن تكلفة الطباعة لديهم، وهل حقاً أنها تصل إلى ضعف تكلفة الطباعة في الخارج؟ قال (الإبراهيمي): “الكلام المتعلق بالتكلفة الباهظة جداً مبالغ فيه كثيراً، فالمواصفات في أي مطبوع تأخذ دوراً كبيراً، فمن يريد ورقاً ذا مواصفات عالية وطباعة ممتازة -أربعة ألوان مثلاً- وغلاف ضمن مواصفات خاصة، ليس كمن يريد ورقاً عادياً وتفاصيل عادية.” مشيراً إلى أنهم طالما عانوا من عدم دقة المعلومات في هذا الصدد، والحقيقة الثانية أن هناك من يحاول ضرب الصناعة الوطنية لاعتبارات عدة، لعل منها مصالح شخصية تعود عليه بالفائدة لو تمت الطباعة خارج العراق.