تأملات في معاناتنا الذهنية.. حاجتنا إلى المفكر ـ الشاعر

417

رعد أطياف/

لكل منا معاييره الخاصة تجاه الآخرين، فمن هذه الزاوية المحددة يصعب علينا فهم الآخر الذي يقع خارج أحكامنا المسبقة. الآخر الذي لا يشاركنا النقطة المرجعية ذاتها، يبقى مأسوراً في دائرة النفور واللامبالاة والقسوة في الأحكام من قبلنا.

ببساطة شديدة: إنه ليس نظيراً لنا ولا يدخل في حساباتنا الشخصية. ضمن هذا المنطق الربوبي والذاكرة الممانعة نصاب بعمى الآخر، وما نرضاه لرغباتنا يغدو رجيماً عند الغير طالما لا ينسجم مع مألوفاتنا، ونبقى أسارى لهذا الحال المؤلم كما لو أننا عبيد لهذه الأحكام الانتقائية.

سلطة الأنا

تفعل الأنا فعلها في هذا السياق وتزدري كل ما هو مفصول عنها، وتضعه في خانة المواضيع؛ فكل ما هو خارج عنها تطبق عليه أحكام الفرز والتقييم؛ فالرغبة، والنفور، واللامبالاة هي السهم الذي لا يخطئ مرماه تجاه الغير. وحين الشروع بتفكيك هذه المعايير والبحث عن المنطق التي تتحرك من خلاله، أو بتعبير أدق، تفكيك هذه العناصر المكونة لبنية المشاعر، سنجد أنها لا تستند على الواقع كما هو، بل تغدو أحكاماً منظوراً لها وفق معطى مسبق ينسجم مع ميولنا الشخصية.

إن هذه البنية ترتبط عناصرها بطريقة اعتمادية تماماً، أعني، لا يمكن لعنصر أن يظهر دون الاعتماد على الآخر؛ الرغبة تعتمد في ظهورها على النفور، وهذا الأخير لا يظهر إلا بالاعتماد على اللامبالاة. وكلا الاثنين ليس بينهما تراتب أو أولوية، بقدر ما يعتمد أحدهما على الآخر بمعزل عن أي معيار منطقي، ولا يختلف الأمر مع باقي المشاعر. كذا، تلعب الإدراكات الخارجية لعبتها في تنشيط هذه المشاعر، والإدراكات، هي الأخرى، لا تعتمد على رؤية الواقع كما هو، وإنما كما نرغب، أو ننفر، أو لا نبالي، اي، كما نريد الأشياء أن تكون ونجسدها من خلال العناصر الثلاثة الآنفة.

تنزيه الذات

نشعر بالنفور من صفات معينة تجاه الآخرين، لكننا لا نقوم بذات الفعل تجاه الصفات أو المشاعر السلبية خاصتنا، وإنما تنفتح، في كل مناسبة مشينة، بوابة التبرير الكبرى لكي لا نبدو مخطئين تجاه أنفسنا والآخرين، لابد أن تبقى سهامنا مُصّوَبة للخارج تحديداً، ونبقى معفوين من معاييرنا التي ندخرها “للأعداء”. نكره النفاق عند الغير، ونستحسن الكذب فينا، نشعر بالنفور تجاه الثرثارين، ونستحسن التداعيات الذهنية وتدفق الأفكار التي تسهم في معاناتنا، نكره فساد السياسيين واحتقارهم لنا، ونرغب في القيادة ونعتقد بأهليتنا لها ونفشل في أي تنظيم. نكره المثقف وتعاليه وخطابه الفوقي ونرجسيته المنفّرة، ونمارس ذات الدور في حياتنا العامّة ونلتف على نرجسيتنا الطفولية.

العادة

إن الخطوة الأولى تجاه تصحيح المسار وعبور هذه الفوضى (التي تمنحنا أكثر من شخصية!)، هو التبصر بهذه الحقيقة التالية: كلنا نعاني، ولكل كائن معاناته الخاصة، وما يجري على الآخر يجري علينا، ومثلما نبرر لأنفسنا فلنبرر له، فبمرور الوقت تظهر فينا الشفقة تجاه أنفسنا والآخرين، فالعادات تتحكم بنا وتتحكم بهم، ومعاناتنا لا تختلف في طعمها عنهم سوى بالنوع أو بالدرجة، لكن الجذر واحد، وهو الجهل بالواقع.

ثنائيات

لا توجد نقطة مرجعية أساسية في الذهن يمكن الركون إليها أو الاحتكام لها، لكنّ الذهن معجون بعجينة الثنائيات، ولا يمكنه النظر للأشياء إلا من خلال نقاط مرجعية يختلقها!، وفي الأصل لا نقطة مرجعية كما قلنا. فقد اعتدنا أن نهتدي للأشياء بأضدادها، وهذا أمر مسَلّم به نسبياً، لكنّه ليس نهاية المطاف، فما بعد الثنائيات عالم يضجّ بالذكاء الخارق!. فالمعاناة، كل المعاناة، تنبع من هذه النقطة بالذات: أن نبقى مسجونين في قبو الثنائيات المظلم.

الشاعر ـ المفكر

ثمّة حقيقة ثقيلة يسوقها الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر مفادها: وحدهُ الشاعر من يفكر!، ذلك أنه يفكر بلا مقولات جاهزة بل يحاول أن يصف الأشياء كما هي مستعيناً باللغة.. إنه لا يجسّد أصناماً مصنوعة من نقاطه المرجعية ويضفي عليها صفة الماهية أو الجوهرية. وبالطبع هذا المثال لا يمنحنا صفة الحصر ولا يقتصر على الشعراء، بل يتعداه إلى كبار المتأملين وهم يحلّقون في سماء الوعي بعيداً عن أطر الثنائيات الضيقة وينظرون للأشياء كما هي لا كما تبدو لهم.

إن كل تداعيتنا النفسية وما يتلوها من صور مؤلمة تنبع من هنا، من هذا القبو المظلم (الذهن الثنائي)، والذي بدوره يفجّر سيلاً من الآلام التي لا تطاق في بعض الأحيان. يصف أحد المتأملين حالة الثنائيات ويقاربها كما لو أن أحدهم يسقط من ناطحة سحاب وهو يرى سرعة توالي نوافذ البناية!.. وكذا يمكن اعتبار حركة الثنائيات في الذهن كعمل المروحة الهوائية، فأنت حينما تنظرها في سرعاتها القصوى يُخَيّل إليك كما لو أنها قطعة متماسكة، فهذا مثال تقريبي لسرعة توالي الأفكار في الذهن، بينما يشبّهون حالة الوعي العابرة لثنائيات الذهن، كما لو أنها بحيرة هادئة، فمهما كانت الأمواج العاتية تتلاطم في عرض البحر تبقى الأعماق صافية وهادئة. الأمواج العاتية تمثل حالة الذهن المضطربة، أما الأعماق فتمثّل حالة السكينة والسلام. البحيرة الساكنة تعكس صورنا بصفاء تام، بينما لو كانت مضطربة ستعكس أشكالنا طبقاً لصورها ونغدو متموجين لا بل متقطّعين بعض الأحيان!.

لست هنا في معرض الحديث عن مفاهيم فلسفية مجردة تستوطن الذهن فقط ولا علاقة لها بالواقع، وإنما هي محاولة لفهم المعاناة التي تمشي معنا جنباً إلى جنب من الولادة حتى الممات وتحيل حياتنا إلى سلسلة متشابكة من المعاناة المختلفة. فالمعرفة وحدها لا تسكّن المعاناة أو تعبرها، بل ربما أن منسوب الأنا لدى أهل المعرفة أكثر من غيرهم!..

كلنا نعاني

على أي حال، ينبغي أن نوضح هنا أن هناك لكل كائن معاناته الخاصة، وبدلاً من تشخيصها وعلاجها نعمّق حالة الشقاء بالهروب منها عبر اختلاق ردود أفعال ومواضيع لا تمثل جوهر الموضوع؛ فالهرب إلى الوراء، إلى حيث الأقنعة والفصام والهستيريا والكآبة المضاعفة التي يحدثها الذهن وأحكامه القاسية ومعاييره المسبقة. إن عبور حالتنا الذهنية وتحطيم تلك الصور النفسية المؤلمة يلهمنا الغبطة! شيء ما أشبه بالدفء، نكهة تشبه الماء، انعتاق من كل شيء، تحطيم للرغبة، لحظات طفلية.. إنها لحظات صعبة في بداية الأمر لكن سرعان ما يتجذر الاعتياد، فنواصل وقتها رحلة عبور الحلم الثقيل.