جامعو الكتب..نشّطوا الحركة الثقافية وأغنوا المكتبة العربية

315

رولا حسن/

يقول ريسلر في كتابه “الحضارة العربية”:

“عجبت لهذا الفارس العربي الأمّي كيف كان ينزل عن صهوة جواده فيدفع خرجاً من ذهب, وهو كل ما يحمله ثمن مخطوطة واحدة!”

هذه إشارة ريسلر وهو من كبار الذين رصدوا الحركة العلمية عند العرب إبان الفتوح تحملنا على الاعتقاد أن الأوساط الثقافية في مدن الأمصار كانت قد شهدت ظهور فريق من جامعي الكتب الأميين تفرغوا للتحري عن نفائس الصحف والمخطوطات، فكانوا يبتاعونها بأغلى الأثمان وينشئون لها خزائن خاصة ويعنون بها عناية عظيمة صانتها من الضياع والاندثار وأتاحت للمشتغلين في العلوم والمهتمين بفروعها فرصة للاطلاع عليها والإفادة منها.

شراء المخطوطات النفيسة

وكان بعض جامعي الكتب عند العرب من الشخصيات الرفيعة في الدولة كما آثر الكثير من أغنياء العرب وأثريائهم أن ينفقوا جزءاً كبيراً من ثرواتهم على شراء المخطوطات النفيسة حتى يحققوا لأنفسهم شهرة في جمع الكتب، ومن هنا ظهرت مكتبات الخلفاء والوزراء والأمراء كأروع خزائن المكتبات في الإسلام.

وكان النسّاخ والمؤلفون يبدون حماسة عظيمة في نسخ الكتب وتصنيفها لحساب المشغوفين وكانوا ينالون منهم جوائز باهرة تقديراً لأعمالهم.
ويذكر المؤرخون أن جامعي الكتب كانوا يهتمون بالدقّة فيعهدون بالنسخ لمن يفترض فيه معرفة الكتاب بشكل أفضل, أو لمن يعرفون مسبقاً أن بحوزته أحسن نسخة منه. وإلى هذا يشير “فوات الوفيات” أن المستعصم بالله أمر أن ينتقى لمكتبته كاتبان يكتبان ما يختاره فانتقي له اثنان من أشهر خطاطي بغداد. وكان ابن مقلة يختص بخزانة سيف الدولة، أما ابن البواب فقد التحق بخدمة مكتبة البويهيين المشهورة بشيراز فأغناها بما نسخ لها من كتب كثيرة.

إبراهيم بن جماعة

ويبدو أن هواة الكتب كانوا يفضّلون مخطوطة المؤلف الأصلية عن المنسوخة وقد برز “إبراهيم بن جماعة” كواحد من أبرز هواة جمع الكتب بخطوط مصنفيها كما يشير إلى ذلك ابن حجر في كتابه “الدرر”.

وبخلاف ما نعهده اليوم فإن طبقة الأثرياء كانت تبالغ في السخاء على المؤلفين فتدفع لهم أموالاً كثيرة من أجل الحصول على مخطوطاتهم بخط أيديهم أو تلك التي أجازوا نسخها تحت إشرافهم. وقد دفع الحاكم الأندلسي لأبي فرج الأصفهاني ألف دينار كما ذكر ابن خلدون في كتابه “العبر” من أجل الحصول على نسخة من كتاب”الأغاني” مساهمة منه في تشجيع المؤلفين ورعايتهم.

ومن هواة جمع الكتب من كان يرعى عدداً من المؤلفين يفرد لهم مجالس خاصة لمسائل العلوم والآداب كما فعل سيف الدولة في حلب وكما كانت الحال عند يمين الدولة ابن سبكتكين الذي كان يحضر علماء من سائر البلدان ويطلب إليهم تأليف كتب باسمه.

ظاهرة إهداء الكتب

يذكر أن كبار الأثرياء من جامعي الكتب في خزائنهم الخاصة كانوا يدخلون المؤلف في خدمتهم بحيث يكون إنتاجه كله لمكتبتهم الخاصة مثلما عمل الفارابي عند الساسانيين وابن سينا عند علاء الدولة ولعل هواة جمع الكتب للمؤلفين هي التي أتاحت الفرصة لإغناء المكتبات الخاصة بالنسخ الأصلية وقد أصبحت رعاية المؤلفين سنّة ملوكية بل تقليداً من التقاليد الأصلية والعريقة عند العرب والمسلمين.

إلى ذلك برزت ظاهرة إهداء الكتب بين أوساط المجتمع، وكانت مكتبات الهواة تغتني أحيانا بطريقة غير مباشرة من الهدايا النفيسة التي كانت تقع في نفوسهم موقعاً عظيماً، فإهداء الكتب كان تقليداً ثقافياً بين المتأدبين والهواة والأثرياء كما كان أيضا تقليداً ملوكياً. وفي دائرة المعارف أن الناصر الأموي الأندلسي (390 هجري) بعث إلى الخلفة العباسي من بغداد بهدية من الكتب بلغت ثلاثمئة مجلد كتبت جميعها بخط نفيس.
ويتحدث الرواة عن ظهور جماعة كانت تهتم ببيع الكتب للهواة الذين لا يضيعون الفرص المناسبة للشراء. وقد شكلت هذه الجماعة طبقة من الوسطاء / الأدلاء اعتمد عليها جامعو الكتب من الأميين في انتقاء أجود الكتب وأحدثها، وهؤلاء الوسطاء كانوا عادة من الورّاقين وقد عرف عنهم أنهم كانوا يسافرون وهي معهم يقدمونها للهواة المشهورين. وقد عرف عن المؤرخ ياقوت الحموي أنه اشتغل بهذه المهنة طويلاً إذ كان يبتاع الكتب أثناء سفره ويقدمها للملوك والهواة من السادة الأثرياء.

من هذا كله نخلص إلى أن جامعي الكتب في تلك العهود القديمة كانوا قد اسهموا في إحداث حركة ثقافية وإنمائية عامة في أوساط المجتمعات عن طريق ضخ الأموال في سبيل شراء الكتاب واقتنائه وصيانته ووضعه بين أيدي القراء كصدقة جارية، فما بالنا إذا عرفنا أن معظم مكتبات الهواة كانت تذوب أخيراً في المكتبات العامة حيث توقف وقفاً أو توهب وهباً وربما اشتراها ثري من الأثرياء ليقدمها لخزائن حلقات التعليم الكثيرة.