جماليــــات الإبــــداع فــــي نصـــــوص الشاعرة العراقية المغتربة أمل عزيز أحمد

162

عدي العبادي /

يقول بيرك “يتمتع الأثر الأدبي -بشكل عام- بقدرة ما يقود جزءاً منه القارئ إلى توقع الجزء التالي وجعله منجذباً إلى السياق.” وهذا في اعتقادي لا يكون مع الشعر الذي يكتب بطريقة رمزية وفيه الكثير من الانزياحات، فتكون وظيفة المتلقي فيه البحث وكشف المدلولات”.
أي عملية اشتباك مع النص لفك شفرته وفهم رموزه. أما الشعر المباشر الذي لا يكون فيه تكليف، فله جمهور عريض، وهو يحمل طابعاً جمالياً وأطروحات فكرية معرفية، وأشهر كتّابه في الوطن العربي: نزار قباني وأحمد مطر وسعاد الصباح. ومع تقدم المراحل الزمنية ظهرت نخبة من كتّابه، منهم الشاعرة أمل عزيز أحمد.
ما أقسى هذا الحزن الذي يلفني
أريد أن أصرخ عالياً: روحي ممزقة.. وحدك أنت الذي تبكيني في وسط الاغتراب
والذكريات ممزقة.. أنا سيل دموع
تعبير داخلي وترجمة للإحساس، هكذا توجه الشاعرة خطابها بعفوية، فنفهم أنها تحكي عن حزن وتمزيق، وهي تعلن في مطلع نصّه عن تراكم الحزن، ثم تهدد بثورة من خلال صرخة عالية. ومع أنها كتبت بمباشرة، لكن هناك جانباً اختزالياً ممكن التنقيب عنه لكشفه، هو فكر المنتج، إذ لم تحدد سبباً ما لتوظيف هذا النص، تاركة لنا الكشف عما فيه، ولم تحدد بطل النص المخاطب (أنت)، ولم تحدد الغربة وأية ذكريات:
الآن تلفني … ريح خريفية
مرة أخرى روحك تعصف
تدور بدوامة فرح واخضرار
أنا أعرف كل خطوطي المتعبة
أمنية أنا ودموع .. حزني كابوس يبعدني
لا تعتمد أمل في غالبية كتاباتها الشعرية على الإيقاع، أكان داخلياً أم خارجياً، ما يعرف بجرس القصيدة، بل إنها تجد إيصال الصورة بتركيبة الجملة وخرق نظام الموسيقية، ما يجعل اشتغالها بالمعنى أكثر من تركيزه على إيقاع يجعلها محكومة بترتيب واحد، فنجدها تضع صوراً عدة لفهم ترجمتها للبعد في النص إذ تقول:
أنا أعرف كل خطوطي المتعبة
أرسم كل فرحك …
ملامحك بفرشاة الحرف متعبة
أنا إليك
هذا قدري.. لا جدوى من دموعي
بخيال وخروج عن منظومة الاشتغال النصي المعروف عند الشاعرة، تطرح هذا النص الذي أخذت جزءاً منه لتحليله، فهي تكتب بطريقة مغايرة، إذ أدخلت الخيال ووضعت تصورات كثيرة، منها أنها غيمة وترسم كل فرح، وكان الصعود بدموع حقيقية، وهل أن هناك مزيفة، إنها المخيلة الشعرية في بناء ما كتبته وقدرتها على ابتكار صورة فنية:
أتذكر طيور الوطن
حزينة ..
فزز دهاليز النفس
عند تفكيك هذا النص والدخول الى عالمه نجد صوراً متعددة تحيلنا إلى جمالية الإبداع عند الشاعرة، حين تعاكس الفرح وتبارك ابتهالات الألم. إن هذه الابتكارات شكلت صورة تثير الدهشة عند المتلقي بما حملته من تعبير ودلالات توضح قدرة الشاعرة على صناعة الصور، وكما هو معروف أن الشاعر يصل الى مرحلة لا يستطيع أن يصل لها الإنسان العادي، ولهذا كان الإغريق يعتقدون أن الآلهة تدخل في أجساد الشعراء لتقول الشعر، وقال سقراط إن الشاعر كائن خرافي، وهو ضوء.
تنزف للبعد ..
دون نهاية
جدران الظلمة مخيفة..
تنوع بالطرح في المادة الإبداعية، ما جعل النص عبارة عن صور مختزلة على سياق متصل، وتظهر فيه فنية البناء ودقة اللغة التعبيرية عن الحالة الخاصة في الكتابة، أي أنك تكون أمام تفرد في تنسيق الصورة وتدخل في عملية اكتشاف للوصول إلى ما تريد أمل طرحه، فهذا تعدد يعطي دلالة على مخزون، وقدرتها في بناء منجز جيد:
فكل الزوايا..
أُغلقت دون نهاية
وزهرة روحي..
بلا ضياء

تشكل هذه المقطوعة الفنية تداخلات متنوعة على إيقاع حسي، حين تجد أن كل مقطع فيها يمثل صورة مستقلة ترتقي الى أن تكون نصاً، وأننا نعيش مرحلة الومضة والشذرة، فالشاعرة بقولها “قلبي بعيد” تعد صورة، وحققت أحلامها بصورة ثانية، وأغلقت دون نهاية كل الزوايا التي لا تنتمي الى الصورتين، إن عدم وجود المركزية في شعر أمل عزيز أحمد يجعله أكثر ثراء واحتواء على نوعية خاصية في التعامل معه من قبل القارئ، الذي هو الشريك الثاني في العمل، الذي ينتهي إليه الخطاب، ويكون الناقد الفعلي للعمل، ونلمس في تجربة أحمد روحية تبث من خلال نصوص متنوعة على ايقاع شعري جميل.