حركة الاحتجاج والمساءلة

118

#خليك_بالبيت

د.علاء- ح /

يعبّر كتاب فالح عبد الجبار وسعد عبد الرزاق، عن قيام توجه بحثي وعلمي أخذ ينمو منذ قيام احتجاجات 2015 وإلى اليوم، وعلى الرغم من كتابة أكثر من مقال وبحث رافقت انطلاق الاحتجاجات عام 2011 نشرت في الصحف ومراكز بحثية إضافة إلى المواقع الإعلامية.
ما يميّز كتاب “حركة الاحتجاج والمساءلة / نهاية الامتثال بداية المساءلة” الصادر عن معهد الدراسات العراقية في بيروت، العام 2017 ويقع في 108 صفحات وباللغتين العربية والانكليزية، أنّه سعى إلى توظيف مضمون رؤية علمية لفهم حركة الاحتجاجات منذ انطلاقها في أغلب المدن العراقية، إذ اعتمد التحليل الاجتماعي لما أنتجته الاحتجاجات من شعارات وتوجهات اجتماعية، كما أعدّ استطلاعا سعى فيه إلى اكتشاف الدوافع التي وجّهت حركة المحتجين، كما ينبه على تأليف هذا الكتاب إلى مغزى الأهم من إعداده وهو العمل على رصد التحول الملموس في الهويات القومية والمذهبية وما أصابها من انشطار سياسي منذ قيام حركة الاحتجاجات وإلى اليوم، الذي وصفه مؤلفا الكتاب بأنّه انتقال من سياسة الهوية إلى سياسة القضايا التي تعني أنّها عابرة للجماعات وكما أشر تحقّق انفصال قطاعات كبيرة من المجتمع عمن يمثلها سياسيا في مؤسّسات السلطة.
السياسيون وتحالفاتهم
يركّز الباحثان على قضية الانفصال وكيف أخذت تغيّر من توجهات السياسيين وتحالفاتهم، ويشيران إلى نموذج يؤكد هذه الانفصالات بما حصل في أزمة سحب الثقة من الحكومة عام 2012، ولكن مستوى هذا الانفصال حدث في مستوى القيادات الذي كشف عن ميل نحو المصالح السياسية على حساب الهويات المذهبية. ومن جانب آخر يعتقد كل من الدكتور فالح عبد الجبار وسعد عبد الرزاق أن حركة الاحتجاجات الاخيرة عمّقتْ من عملية الانفصال ما بين المتحكمين بالسلطة السياسية والتوجهات الاجتماعية التي يعبّرون عنها، ولذلك بات الانتقال من سياسة الهوية إلى سياسة القضايا ملموسا بين أفراد المجتمع، وتكشف النتائج التي توصل إليها الكتاب عن أن “ما حصل بعد 2003 هو انتشار تسييس الهويات المذهبية على نطاق جماهيري، بفعل انفتاح المجال العام” ص11، لقد حضرت جميع القوى الاجتماعية والسياسية التي كانت مبعدة في إدارة السلطة.
تأثير الحركة الاجتماعية
ومن أجل استيعاب أسباب حدوث الاحتجاجات، يضع الكتاب فهما لمعنى الحركة الاجتماعية التي ينظر من خلالها إلى فعل الاحتجاج، والحركات الاجتماعية هي “بالتعريف ليست حزبا سياسيا ولا هي جماعة مصالح “لوبي”، من جهة، ولا هي مجرد موضة أو صرعة عابرة، بلا أهداف، من جهة أخرى. فهي تقع منزلة بين الاثنين” ص16، ولهذا تمر بخطوات لكي تصل إلى مستوى التأثير وإنجاز التغيير الاجتماعي الذي تسعى إليه، وهذا الخطوات تؤطّر الحركة الاجتماعية – الاحتجاج – وتحوله إلى توجه داخل المجتمع يحاول إنتاج معاييره وقيمه.
يحدّد الكتاب مضمون هذه الخطوات بـ “النشوء على خلفية سخط عام، التماسك والتلاحم، إرساء جهاز متخصّص ناظم للمواصلة، الهبوط، أمّا بسبب النجاح، أو بسبب القمع، أو التحول إلى مؤسسة” ص17.
ضد الفساد والمحاصصة
عمل مؤلفا الكتاب على تعيين غايات الاحتجاج التي يسعى إليها، فإنّ أي حركة اجتماعية لا تظهر من فراغ وإنما هناك أسباب وعوامل تسهم في تشكّلها، ثم بعد ذلك تهدف إلى إنجاز تغييرات عملية في النظام السياسي لكي ينال هذا النظام الاصلاح وعلى أكثر من مستوى اجتماعي واقتصادي، ولذلك راهنت الاحتجاجات من خلال الشعارات التي أطلقتها على خلق جو عام يقوم على قيم ومعايير غير متقبلة لمظاهر الفساد والمحاصصة، إذ “تقترن كلمة المحاصصة quota sharing في الاستعمال عادة بتعبيري: الاثنية والطائفية، للإشارة إلى توزيع المناصب – المغانم بين الجماعات المحدّدة على أساس طائفي او إثني ، او حتى ديني” ص22، يقدم كتاب “حركة الاحتجاج والمساءلة / نهاية الامتثال بداية المساءلة” مادة علمية تخرجنا من قراءة الاحتجاجات من جانبها السياسي الذي هو متاح لكل من تابع واهتم بها منذ انطلاقها عام 2011 وإلى أكتوبر 2019، إلى الجانب العلمي والبحثي الذي سوف يوفر لنا قراءة وفهماً خارج التأثيرات ذات البعد “المع والضد”.
ومع التحولات التي مرّت بها الاحتجاجات منذ 2011، ظلّت بعيدة عن الوصول إلى مرحلة تكوين توجه سياسي يعبّر عنها، ربّما هذا يفسّر بوجود بعض القوى السياسية الداعمة لها ومشاركة بها بشكل مباشر وغير مباشر. كشف تعثر إنجاز الاحتجاجات لتشكيل سياسي عن مساحات التأييد والرفض التي فتحت جدلا واسعا بين مختلف شرائح المجتمع العراقي، فهناك من كان يرى فيها خرقا وتهديدا للنظام العام، ولكن من جانب آخر أيدتها فئات واسعة لأنّها كانت ترى فيها مدخلا في إصلاح النظام وما يواجه من أزمات أخذت تتسع بمرور الوقت، ولذلك حدّد الكتاب أربع مقاربات؛ هي “التأييد الصريح، المداراة اللينة، العداء والمواجهة، محاولات الاحتواء” ص50، كاشفة عن مستويات القبول أو رفض اتجاه الاحتجاجات، وعلى ضوء هذا التوصيف لمعاني التأييد هل يمكن أن نطرح التساؤل الآتي: هل خلقت الاحتجاجات نوعا من الانقسام بين فئات المجتمع العراقي؟ ربّما يرد جواب أنّ ملامح الانقسام حاضرة وليست بجديدة على الوضع العام في العراق، المختلف في هذا الانقسام أنّه داخل الكيانات الاجتماعية المتشابهة التي تعبّر عن انتماء الأغلبية.
دفعت الاحتجاجات نحو وضع مقبولية النظام السياسي بعد 2003 أمام تحدي “المع والضد”، إذ نلمس بعد الاحتجاجات الأخيرة تنامي حركة الانقسام إلى تيارين يتواجهان معنويا وإعلاميا في ما يتعلّق بهذا التحدي، وهذا ما يؤكد أنّ الاحتجاجات نقلت الصراع السياسي من جانب الهويات إلى القضايا التي تقوم على توفير الخدمات معالجة أزمات الخدمة العامة التي يعاني منها أفراد المجتمع بشكل يومي.
يراهن مؤلفا الكتاب على أن الاحتجاجات جاءت نتيجة إجماع وطني يعبّر عن توجه اجتماعي مختلف يقطع مع ما قبل 2010 لكي يسعى لبناء وعي، لأنّ الحركة “تشكّل نقطة انعطاف في ذهنية قطاعات كبرى وسط جيل الشباب من الطبقات الوسطى، وعبورها خطوط الطوائف إلى الهوية العراقية، وإرساء السياسة على قاعدة الإنجاز والنزاهة والكفاءة والمدنية. وهي تحظى في هذا بدعم المراجع الدينية، كما تتوفر على قاعدة جماهيرية واسعة” ص57.