حسن عجمي .. مقهى الأدباء الذين غابوا عن حضور مئويته!

556

عبد الجبار العتابي _ تصوير: صباح الامارة/

صار عمره 100 سنة ، ولكن لم يحتفل أحد بمئويته، ولم يقرأ له الأدباء شيئاً من أدبهم، ولا أهداه واحد من رواده وردة علّقها على بابه، فلم يعد له وجود على خارطة الاهتمام بعد أن هرم وشاخ وبهتت ألوانه.

من يرتاده اليوم ليس في باله إلا أن يجلس على مقاعده، يحتسي الشاي او يدخن “الناركيلة”وينظر الى العابرين في شارع الرشيد ومن ثم يمضي، لكن تاريخ هذا المقهى الجميل ينزّ صبراً، لأنه احتمل عناءات الشيخوخة من دون أن يشعر أحد بأوجاعه!!
لاطقوس ولا متعة..

لم يعد الذهاب الى مقهى حسن عجمي مهماً، كأن الحاجة إليه استنفدت، حيث لا طقوس هناك ولا أدباء ولا متعة، ولا حضور إلا للمتقاعدين الذين يجهدون أنفسهم في تزجية الوقت من دون أن يشاهدوا وجوههم في مرايا المقهى العتيقة ومن دون أن يسمعوا صوت سليمة مراد أو سواها من مطربات تصدح أصواتهن في المكان، لكن الذين يشعرون بالحنين الى أيامهم فيه يضعون أيديهم على قلوبهم وهم يقتربون منه في محاولة للعثور على ما تركوه فيه من ذكريات وضحكات وعناءات ولقاءات وأسماء ومسميات. هؤلاء سيصدمهم المنظر لأن الواقع على غير تصوراتهم الحالمة السابقة، كما حصل مع الشاعر رياض النعماني الذي أوصاه الشاعر الجواهري، ذات يوم، أن يزور المقهى ويعرف له اسم العامل فيه الذي نسي اسمه.

يقول النعماني: زرت المقهى عند عودتي للعراق للبحث عن صورة لذلك العامل لكنني لم استطع البقاء في المقهى طويلاً، بجوّه الخانق وقد انتفخت جدرانه بفعل الرطوبة، وامتلأ برائحة عفونة مقززة، وبغيوم أدخنة النركيلات والسكائر، وغطيت بوابته الرئيسية ببطانية قديمة، بطريقة بدائية، لمنع الرياح الباردة من مضايقة الزبائن، على الرغم من أن للمقهى، في الثمانينات من القرن الماضي، باباً زجاجياً يغلق ذاتياً، ولكن من الممكن جداً أن تسمع صوت الشاعر عدنان الصائغ : “وما تبقى من الأصدقاءِ في مقهى حسن عجمي، اكتفوا بشربِ الشاي وتبادلِ نصوصِنا المسرّبةِ..،وعلى الكراسي الفارغةِ التي تركناها منذ 1993 سأجلسُ في انتظارِ شيخوختي، التي ستعودُ – ذاتَ يومٍ – على عكازين أو دمعتين ،ساخراً من كلِّ ما مضى وما….سيأتي”، ويمكن أن يرى الحاضرون أحدهم يمسك بزمام باب المقهى، وهو يتقطر دمعاً وشغفاً.

100 عام من المحبّة

يعود تاريخ افتتاح المقهى الى عام 1917، وبالتحديد بعد أشهر من شق شارع الرشيد عام 1916 وترتيب أحواله، وكان يسمى أيضاً (كهوخانة حسن عجمي)، وتؤكد وثائق أن صاحب المقهى الأصلي اسمه عبد الرزاق أفندي، وهناك سند عائد لسنة 1926 يظهر انتقال ملكية المقهى من ورثة عبد الرزاق أفندي إلى الحاخام حسقيل بن هارون. ويبدو أن اسم (حسن عجمي) شعبي أكثر منه رسمي، لأنه يعمل فيه لوحده أغلب الأوقات (ماعنده خزمچي –خادم- بالكهوخانة ، اشتغل معه نسيم وترك الشغل ؛ أيكول أصابیعي احمرّن من حرارة الچاي واشتغل براس العكد يجلد الكتب)، او ربما هو مؤجر له لأنه إلى الآن ما زال (وقفاً) لمالكه الأصلي ،ويمكن الاستفادة من تاريخه وأجوائه بالإشارة الى كتاب (مذكرات بغداد … مراجعة في تاريخ الصراع الطائفي والعنصري 672م-2007م) لمؤلفه جميل أبو طبيخ الذي قال (مقابل جامع الحيدرخانة الى الشمال قليلاً يصادفنا أحد أجمل مقاهي بغداد المعروفة وهو باسم صاحبه (جايخانة حسن العجمي) ويعود تاريخه الى ما قبل احتلال المدينة من قبل الجيوش البريطانية سنة 1917. إن اجمل ما يميز هذا المنتدى البغدادي هو مجموعة السماورات الروسية النادرة المزينة بصور القياصرة الروس والأختام الرسمية التي ترجع بتواريخها الى القرن التاسع عشر، إلى جانب مجموعة قواري الشاي وزجاجيات النركيلة التي تزينها صور الملك فيصل الأول والملك غازي وملوك الفرس من القاجار).

في الحيدرخانة

يقع المقهى في محلة الحيدر خانة، على نهر شارع الرشيد في المكان القريب من منطقة الميدان، تجاوره مدرسة شماش اليهودية من جهة الجنوب ودكان الحاج زبالة، بائع الدوندرمة سابقاَ وعصير الزبيب حالياً، من جهة الشمال ويقابله دكان (كعك السيد) الذي يعود تاريخه الى عام 1906. ويؤكد من عاش ذروة ازدهاره أن (من رائحة “تتن النركيلة” والفحم المتقد تحت سماورات الشاي وقواريّه ،تستطيع ان تستدل على مقهى حسن عجمي). فيما يتذكر كبار السن، من رواد هذا المقهى العتيد ،أنه كان ملتقى لوجهاء بغداد حيث يتبادلون الأحاديث والطرائف والنقاشات السياسية والأدبية، والطريف أن أغلب القواري تأتيه هدايا من الباشوات، الذين كانوا مع العثمانيين، ومنهم من الانكليز والأعيان والمختارية.

مقهى الأدباء

اشتهر مقهى حسن عجمي باعتباره مقهى للأدباء العراقيين منذ ثلاثينات القرن الماضي، وكان منبراً لحوار الطبقة الوسطى وعامّة الناس التي تمثل صوت الشعب ،وليس هنالك من أديب او مثقف عراقي، عبر الأجيال المختلفة، لم يدخل المقهى ويحرص على الحضور، خاصة في يوم الجمعة الذي لهم فيه طقوس، ويمكن الإشارة إلى أن من رواده المشاهير الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري، الذي ذكره في مذكراته بجزءيها. وعن بدايات تردده على المقهى قال الجواهري إن ذلك بدأ في أعوام 1926-1927 -1928 واستمر حتى عندما أصبح عضواً في مجلس النواب عام 1947-1948. وعن أثر المقهي في حياته يقول : أمضيتُ أياماً جميلة في هذا المقهى مع الخلّان والأصحاب والأحباب، وكم من القصائد الجميلة التي نظمتها في هذا المكان، قصيدة “المقصورة” بدأتُ بكتابتها في هذا المقهى وأكملتها في البيت على نهر دجلة، ويأسف الجواهري على أن المقهى خُرب بعد وفاة حسن عجمي وتراجع. فيما كان الشاعر السياب هو الآخر يسجل حضوراً فيه، فيطل على المقهى لملاقاة الجواهري، والتمتع بالحديث معه إعجاباً وتقديراً. أما الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد فقد قال عنه “لا أظنّ أن أحداً من أدباء بغداد لم يدفعه الفضول للجلوس بمقهى حسن عجمي، إنه يذكرني دائماً بمقهى زقاق المدق في القاهرة”، ولكن من الأحداث الفارقة للمقهى هو موت القاص الكردي يوسف الحيدري 1934- 1993 على أحد كراسيه!

لكن الصورة التي تلتصق في ذاكرة الرواد القدماء أنه من أنظف المقاهي في بغداد, بإشارة أن (أرض المقهى كانت تغسل يومياً), فيما الوصف العام للمقهى أن (الوجاغ ،الذي هو محل عمل الشاي، ممتلئ بأنواع السماورات الروسية الأصلية (المسكوف), أي الواردة من موسكو, حين كان الناس يسمون الروس (مسكوف)، وعلى الوجاغ ذلك أنواع القواري شكلاً وحجماً, وكان المقهى مفروشاً بالسجاد الأصلي الـ(كاشان)، وتسطع في أرجائه (السماورات) و(القواري)، وكانت (القنفات) كلها مغطاة بالسجاد وعلى الجدران أيضاً سجاجيد، وكلها كانت تنظف يوميا .

أبو فلح !

يتفرد المقهى بعلامات مميزة فيه لايمكن تجريدها من تاريخه، ويعد صاحبه او مستأجره حسن عجمي او (حسن العجمي) وربما تكون كلمة العجمي مقصودة بدلالة أن الجواهري يقول عنه (إن تربيته جيدة) ويكنّى بـ (ابو فلح )، وينادونه بـ(احسوني) شخصية لافتة للنظر، فالرجل يوصف بأنه (كان أنيقاً في ملبسه ومحترماً في تصرفاته). وللشاعر الجواهري معرفة دقيقة به ؛ فهو يصفه بدقة شديدة قائلاً: (صاحب المقهى حسن عجمي متوسط الطول، أسمر اللون، مقبول، عربيته جيدة، ويعمل في تجارة السجاد التي كانت في حينها تجارة مربحة). ومما جلب انتباه الشاعر الجواهري أن حسن عجمي كان يجلس بجوار الخزانة الحديدية، ويقول عنه أيضاً بإعجاب (كان حسن عجمي أبو فلح يهتم به كثيراً حتى ولو كلفه ذلك الكثير من المال إذ كان أشبه بالديوانية، ديوانيته، كان يجلس كالملوك على كرسي وثير ليس من أجل فلوس يحصلها مني او من غيري وإنما لكي يزهو ويتسلى أيضاً، ولهذا كان يعتني بمقهاه كثيراً ويهتم بديكوراته .. والظاهر أنه لم يكن متزوجاً، ففي كل صباح كان ينزل من الفندق الذي يتربع فوق المقهى، وفيه غرف قليلة، كان ينزل (كاشخاً) ويجلس في صدر المقهى، وقد توفي ـ رحمه الله ـ في أوائل الخمسينات من القرن الماضي).