حوار مع الوقت

66

عباس عبد الرحمن/
حاد النصل وأقوى من السيف، هو وقت الجنون الذي يقطّع بالبشرية منذ فجر الخليقة. ما أجمل وقعه في الرخاء والرفاهية، وما أقساه في مكامن الخطر والمداهمة والشدة. اسعد ملوكاً وملكات وأمراء وأميرات لفترة من الزمن، وهدم عروشاً في لمح البصر، وحمل آمالاً وكسر قلوباً، وشتت همة ورفع شأناً، يعدو ويجري ويؤجل إلى إشعار آخر، يقاد ويقود إلى القمة وأحيانا الى الهاوية!
عوالم غامضة
كانت جداتنا يمسكن بنا ليلاً، فنلتف حولهن وموقد النار نقطتنا الدالة، ثم يبدأن بسرد قصصهن وحكاياتهن المسلية، وكان مفتاح الحكايات والقصص (كان يا ما كان في قديم الزمان)، فنسافر معهن الى عوالم غامضة الأسرار والأساطير، وقد سبقتهن شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) وهي تروي للملك السعيد شهريار في مطلع كل ليلة (يحكى في سالف العصر والأوان). كان الدهر في خيال الشاعر (أبي صخر الهذلي) طائراً له جناحان يسعى في الطيران ويهرب من بين يديه حين اللقاء، ثم يسكن جامداً لا حراك فيه وقت الفراق، حين قال:
“عجبت لسعي الدهر بيني وبينها / فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر”.
واقترن مفهوم الزمن لدى الشعراء بالمعاناة التي يتعرضون لها، واعتبروه قوة تهدد أمنهم وحياتهم واستقرارهم. يقول حاتم الطائي:
“هل الدهر إلا اليوم أو أمس أو غد / كذاك الزمان بيننا يتردد / يرد علينا ليلة بعد يومها / فلا نحن ما نبقى ولا الدهر ينفد”.
وفي قصيدة جورج جرداق (هذه ليلتي)عبارات لفظية زمانية مثل (بعد حين – كانت قديماً – الآن أكثر):
“بعد حين يبدل الحب دارا / والعصافير تهجر الأوكارا / وديار كانت قديماً ديارا / سترانا كما نراها قفارا / سوف تلهو بنا الحياة وتسخر / فتعال أحبك الآن أكثر”.
بينما يتساءل الشاعر (الهادي آدم) أغداً القاك؟ كنداء وعلامة استفهام ومناجاة:
“أغداً ألقاك يا خوف فؤادي من غد / يالشوقي واحتراقي في انتظار الموعد /آه كم أخشى غدي هذا وأرجوه اقترابا / وغداً تأتلف الجنة أنهاراً وظلا / وغداً ننسى فلا نأسى / على ماض تولى / وغداً نسهو فلا نعرف للغيب محلا /وغدا للحاضر الزاهر نحيا ليس إلا”.
جسر الأزمنة
في النماذج الأدبية التي مررنا بها، يشكل الزمن جسراً يعبر عليه الإنسان لغرض تقرير أو تغيير مصيره من حال الضعف إلى مواقف القوة، فالزمان عند العرب اسم لقليل من الوقت وكثيره. أما الدهر فيقع في وقت زمن من الأزمنة وعلى مدة طويلة من الدنيا كلها، وله مرادفات في اللغة العربية مثل (السنين والقرون والأيام). وقد يمتد الدهر لألف سنة. و(الحين) كلمة مرادفة للزمن، وهي أقل من الدهر، وتصلح لجميع الأزمان، طالت أو قصرت، فنقول “حيناً من الوقت” و”حان الوقت”، ولهما دلالة واضحة على اهتمام الأدب في توظيفهما للتعبير عن متلازمة الزمن بالوقائع والأحداث. فأحياناً يذم بعضهم الدهر وفي مناسبة أخرى يتعلقون به في وقت الشدة، كقول عنترة بن شداد:
“ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني / وبيض الهند تقطر من دمي / فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم”.
وقسم العرب الأيام وميزوها في: يوم السفر – يوم الرحيل – يوم اللقاء – يوم الحرب – يوم الفراق.
ولأحمد شوقي أمير الشعراء كلام يلخص فيه السيرة الذاتية للإنسان وحياته التي تمر بمراحل متنوعة إلى أن تصل إلى حتمية الموت عند توقف الوقت في الساعة البايلوجية الأخيرة:
“دقات قلب المرء قائلة له / إن الحياة دقائق وثوان / فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها / فالذكر للإنسان عمر ثاني”.
قوة الحب
أما في (الحب في زمن الكوليرا) أعظم رواية في القرن العشرين للروائي العالمي (غابرييل غارسيا ماركيز)، الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1982، ترتكز أحداث الرواية على عامل الزمن وقصة الحب الجامحة بين الشاب الفقير عامل التلغراف (فلورنتينو) وحبيبته (فيرمينا داثا) ابنة تاجر البغال الثري الذي يحول بينهما ويجبرها على الزواج بالطبيب الثري (جوفينالاوربينو). وتمتد قصة الحب بين فلورنتينو وفيرمينا لمدة سبعين عاماً منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى العقود الأولى من القرن العشرين، وبعد مرور 53 سنة و 9 أشهر و 4 أيام يتعجل فلورنتينو في تقديم عهد الوفاء لحبيبته في نفس اليوم الذي انتهت فيه من مراسم دفن زوجها الطبيب، وقد طردته وزفته بالشتائم، لكن برغم ذلك التقيا بعد حين وانتظار مرير امتد لأكثر من نصف قرن منذ زواجها وهي فتاة في عمر الورد.
ليلخص (ماركيز) روايته الخالد بهذه العبارة العميقة:
“إن هذا الحب في كل زمان ومكان، لكنه يشتد كثافة وقوة كلما اقتربنا من الموت”.