حين يلتقي زوربا مع البوذا.. قراءة في كتاب أوشو “سيكولوجية الاستنارة”

622

حربي محسن عبدالله/

أدى التقدم التكنولوجي إلى تعقيدات على مستوى حياة الإنسان بشكل عام. وإذا نظرنا حولنا نجد في بعض الأحيان حائطاً مسدوداً، العالم كله يعاني من مشاكل في الاقتصاد والصحة والبيئة والتربية والإدارة وغيرها. ومع أن التطور العلمي والتكنولوجي هو شيء ضروري في هذا العصر، ولكن هذا التطور فرض علينا أن نعيش بنمط سريع يؤدي إلى الإرهاق والتعب والضغوطات،

بيئة الحروب

في بيئة مشحونة بالحروب والأحقاد والدماء والتلوث والأوبئة والأمراض والفقر. لذلك كانت الحاجة ملحة لشيء جديد، ولمعرفة جديدة. هذه المعرفة تبدأ من التأمل وهو عملية معاكسة لعملية التفكير، فعندما يتطور التأمل يصبح تعبيرياً أكثر. فيتحول إلى كلام وأفعال. إنه التعبير الخارجي للوعي الصافي. ففي التأمل يرجع العقل إلى أرقى حالات التفكير، وفي النهاية يصل إلى مصدر الأفكار، ومن هناك يصل إلى مستوى يسمى “الوعي الكامل”. ويزيد هذا التمرين من مستوى الوعي. ويدفع المرء دائماً إلى اتخاذ القرارات الصحيحة، وهذه القرارات جميعها تكون متناغمة مع قانون الطبيعة التطوري. سنقلب هنا صفحات كتاب ينتمي لمدرسة التأمل التي تشكل المعرفة الجديدة، وهو “سيكولوجية الإستنارة والأجساد السبعة” لشخصية ذاع صيتها في طول العالم وعرضه وهو “أوشو”، والكتاب من ترجمة نبيل سلامة وقد صدر مؤخراً عن دار كنعان للنشر في دمشق.

تجربة مباشرة

أوشو ليس فيلسوفاً. وليست كلماته محاولة لملء عقولنا بمعرفة أكثر. بل هي محاولة لدفعنا في اتجاه تجربة مباشرة مع ذلك الذي هو ما وراء الكلمات، وهي محاولة لدفعنا في اتجاه تطورنا الداخلي خاصتنا والتحقيق الأخير لقدرتنا الكامنة، قدرة عقلنا. يبدأ اوشو من نقطة ينسحب فيها علم النفس الغربي ويذهب إلى أبعد من فرويد وأبعد من كارل يونغ وأبعد من الحركات الجديدة New age أو “العصر الجديد” في فهم القدرة الإنسانية الكامنة. ويكمن مجهوده كله في خلق بيئة حيث يمكن للحالة البوذية (في التأمل) أن تشرع بالتفتح. ومن أجل أن يحصل هذا، يقول: (يتوجب علينا قبول الإنسان في كلانياته. فلا العقلي يجب أن نرفضه، ولا اللاعقلي، ولا الفكر ولا الانفعالات، ولا العالم ، ولا المتدين. فيجب على الإنسان أن يظل في انسياب، سيالاً، وقادراً على التحرك من قطب إلى آخر).

زوربا عظيم بعفويته

من هنا يلتقي بوذا بزوربا، فزوربا لا يركض ويهدر حياته وراء الثروة والمال، إنه يكتفي بما يحصل عليه من يوم إلى يوم من دون ان يخطط للمستقبل ومن دون ما نسمعه الآن من تأمينات صحية واجتماعية وغيرها من اعتماد على الدولة التي تحل محل الإله…زوربا عظيم بعفويته، ببساطته بحبه للحياة لدرجة النشوة..هذه النشوة أيضاً هي تجلٍّ من أهم تجليات مايختبره التوّاق في رحلته الروحية. ورحلة التواق التي تتاخم الاستنارة تظهر علاماتها من خلال ثلاثية هي التي يتحول إليها ويكون إياها التواق ألا وهي (الوجود، والوعي، والنشوة). إذاً عندما نتوصل لأن نكون” زوربا” لا من خلال المحاكاة بل من خلال معايشة الجسد البيولوجي وحكمته الخاصة، وأخيراً نكتشف “بوذا” الراصد الحي الكائن في اللحظة الحاضرة. إذاً أخيراً وليس آخراً فهو يدعو إلى توحيد هذين القطبين ،الجسد والروح، من خلال شخصين هما زوربا وبوذا.. كما كتب المترجم نبيل سلامة في خاتمته.

والتأمل عند اوشو “هو تأوج الحب”. لا يقصد الحب لشخص بعينه، وإنما للوجود الكلي، وبالنسبة له، فالتأمل هو علاقة حية مع الوجود الكلي الذي يحيط به، وإذا استطاع أحد ما أن يُغرم بأي وضع، فإذّاك يكون في تأمل. ومن هناك يأتي الحب عبر مراحله الثلاث وهي: الحب الجسماني، والحب النفساني، والحب الروحاني. وعندما يتجاوز هذه المراحل يصل إلى الحب الإلهي. لذلك يقول: “إذهب خطوة فخطوة، لكن بموقف ودي.

التأهب هو النور

ومن دون توتر، ومن دون مجهود، فقط إذهب بتأهب. التأهب هو النور الوحيد في عتمة ليل الحياة. وبهذا النور إذهب إلى داخله. ابحث وتفحص كل ركن. ففي الأجزاء كلها يكمن الإلهي، ولا تكن ضد لاشيء”. ولكن ثمة عقبات في الطريق تسبب التوتر. والتوتر برأيه يعني الفجوة بين ما أنت عليه، وما ترغب أن تصير إليه. فإذا كانت الفجوة كبيرة، فسيكون التوتر كبيراً، وإذا كانت الفجوة صغيرة، فسيكون التوتر صغيراً. وإذا لم تكن ثمة فجوة بحال من الأحوال، فالأمر يعني أنك مرتاح على ما أنت عليه. وبعبارة أخرى، أنت لا ترغب بأن تصير شيئاً لستَ إياه. فأنت تكون حاضراً في اللحظة. وليس ثمة شيء أنت متوتر إزاءه، وأنت مرتاح مع نفسك ذاتها. والحب ليس علاقة متبادلة بين شخصين، إنه حالة روح داخلك أنت نفسك. فإذا كنت تحب، وتحب الجميع، وليس فقط الأشخاص، بل الأشياء أيضاً، فالحب يتحرك منك نحو الأشياء، حتى عندما تكون وحيداً، وعندما لا يكون هناك أحد، فإنك تحب.إنه بالضبط كما التنفس. فإذا أقسمت أنني سأتنفس فقط عندما أكون معك، فالموت ببساطة هو الذي سينجم عن ذلك.

في ثنايا الكتاب نقرأ لأوشو آراء طريفة في الفلسفة والعلم والشعر يلخصها بالشكل التالي قائلاً: “تسع وتسعون بالمئة من الفلسفة تم ايجاها من خلال اللغة. فاللغات المختلفة تخلق انواعاً مختلفة من الفلسفات.