رامز تحت الصفر ننتقده ونشاهده!

422

أ.د.قاسم حسين صالح/

يحظى برنامج (رامز تحت الصفر) الذي تبثه محطة (MBC1 ) بمشاهدة عربية وعراقية واسعة، ما دفعنا الى استطلاع عينة من المشاهدين..لهدفين: الاول كنّا اعلنا عنه في الاستطلاع بمعرفة آرائهم ببرنامج (رامز تحت الصفر)، وبنوعية شخصية رامز جلال، وما اذا كانوا يستمتعون بمشاهدة حلقاته التي جرى تصويرها في ثلوج روسيا مستغلا مشاركة الفريق المصري لكرة القدم في المونديال، والثاني ضمني يستهدف معرفة سيكولوجيا المشاهدين من خلال اجاباتهم.

تحليل الإجابات

كان السؤال الموجه هو: ( تقوم فكرة برنامج “رامز تحت الصفر” على وضع الضيف في مقلب بهدف إمتاع المشاهدين، فهل أمتعك ذلك؟ ام انك ترى فيه إهانة ومزاحا ثقيلا؟ وما رأيك في انعكاساته السيكولوجية على المشاهدين وعليك؟
بلغ عدد افراد العينة 2003 تنوعت بين اكاديميين ومثقفين وإعلاميين ومتابعي الفيسبوك، وتم تصنيف الإجابات على ثلاثة محاور: البرنامج والمقدم والجمهور، وعلى النحو الآتي:

برنامج رامز تحت الصفر:

وصفت الغالبية المطلقة (اكثر من 90%) من الذين استطلعنا آراءهم برنامج “رامز تحت الصفر”بأنه:(تافه،مفبرك،سخيف،مهين لشخصيات فنية واجتماعية محترمة، اسفاف ومسخرة،تهريج وعياط وصراخ،عديم اللون والطعم والرائحة،مقرف جدا، مضيعة للوقت، سطحي وتقليد لبرنامج اجنبي ، ابتذال يفسد الذائقة الفنية، مقالب مؤذية اكثر منها مسلية، معظم مايقوم به مزيف يحاول التغطية عليه بالصراخ والنكات البايخة، انتهاك صارخ لحقوق الانسان ، شكل من اشكال العنف قد يعرّض احدهم لسكتة قلبية..).

شخصية رامز جلال:

تحدد الهدف الثاني برأي المشاهدين بنوعية شخصية رامز جلال، فوصفته الغالبية المطلقة ايضا (90%) بأنه شخصية عدائية، لأن الاستهزاء بالآخرين والضحك على متاعبهم من سمات الشخصية العدائية، وجاء متفقا مع رأي الباحثة النفسية الدكتورة هدى جميل غني بأن (رامز شخصية تحاول القيام بما لايستطيع تحقيقه على أرض الواقع وهي أحد اضطرابات الشخصية العدائية hostile personality ). فيما وصفه آخرون بأنه (سيكوباثي، يعاني من مرض نفسي يستهوي ايلام الاخرين وتعريضهم للخطر)، وهو رأي يتفق مع تحليل الإعلامي الدكتور مجيد السامرائي الذي وصفه في رسالة بعث بها لي بأن فيه (ملامح الشخصية السيكوباثية والهستيرية..المتسمة بالاندفاعية والميل لجذب الانتباه والعنف والمبالغة في الافعال وعدم الاهتمام بمشاعر الاخرين..وانها كامنة فيه من الطفولة.)..يؤيده في ذلك استاذ علم النفس الدكتورعبد الحافظ الغامري من اليمن والدكتورة محاسن البياتي التي وصفته بأنه (معتوه ومريض ويحتاج لكورسات من العلاج النفسي)، وأنه شخص يشعر بالنقص فيعوضه بالانتقام من النجوم ويسد فشله بالوصول الى النجومية بتعذيب ضيوفه ليشفي غليله، كما يرى آخرون. فيما ذهبت الدكتورة انتصار كرمان من السعودية الى ابعد من ذلك بوصفها له بأنه (مجرم خطير مكانه السجن بين القتلة والمنحرفين اخلاقيا وانسانيا..اعطته التكنولوجيا الإعلامية فرصة تحويل ميوله الاجرامية عبر الإعلاء والتسامي بها بصورة مغلفة بالكوميديا والكاريزما بينما هو في الحقيقة ينهش في صحة وعقل وجسد ضحاياه بكل وحشية ودموية).

وكان لآخرين الرأي النقيض مستشهدين بأن بدايات رامز الفنية وأدواره كلها كانت في لعب الولد المحبوب صديق البطل الفكاهي وهذه بعيده كل البعد عّن شخصية السيكوباثي، وأن البرنامج لايعدو كونه مزاحا ثقيلا، وأن( تصنيفه ضمن المجرمين والمرضى عقليا تهمة ظالمة).

تحليل سيكولوجي

هدفان يسعى فنان برامج المقالب التلفزيونية الى تحقيقهما هما: المال والشهرة..وكلاهما بلغهما الشاب رامز جلال بزمن قياسي. ففي اقل من خمس سنوات حقق رامز جلال من الشهرة ما لم يبلغه فنان عربي آخر بضمنهم شقيقه الفنان الملتزم ياسر جلال بطل مسلسل (ظل الريس)..وصار يعدّ من اصحاب الملايين بين قلة من الفنانين.

ورامز يمتلك موهبة عالية في تقديم برامج المقالب لا يمتلكها في فن التمثيل برغم انه اسندت اليه بطولة وادوار رئيسة في عدد من الافلام. وله قدرة على تحمل الإهانات والضرب والشتيمة التي يجد فيها نوعين من المتع المتضادة: تعاطف مشاهدين معه، وتشّفي آخرين بما يحصل له! فضلا عن متعة شخصية له في ترضيته للضحية بعد اكتشاف المقلب.

وسيكولوجياً، تقوم فكرة المقلب على تصنيف البشر الى نوعين: شرير يمثله رامز جلال، وخيّر يمثله الضحية..وأن ما يشغل الشرير هو نصب فخ للايقاع بالضحية التي تمثل الانسان الطيب (وعلى نياته).

والواقع ان آراء العينة التي جرى استطلاعها بضمنهم اكاديميون التي وصفت رامز بانه شخصية (عدوانية،سيكوباثية، مريضه نفسيا..) فيها مبالغة..ما لم تكن تصرفات رامز وسلوكه العام مع افراد عائلته والناس الآخرين..عدوانية وسيكوباثية فعلا..ولا يوجد عنه ما يثبت ذلك.

والمفارقة، أن معظم الذين وصفوا البرنامج بـ(التافه،السخيف..) ووصفوا رامز بـ(المريض نفسيا ،والمعتوه،والسيكوباثي..) يتابعون مشاهدة حلقاته! ،ما يعني اننا جميعا لدينا دافع غريزي للعدوان، وان بيننا من يستمتع بالتنفيس عن عدوانه المكبوت بمشاهدة ما يقع للضحية من أذى نفسي او جسمي.

على ان الأهم من كل هذا هو أن الخطورة في مثل هذه المقالب التي يشاهدها الملايين، ليس على مجتمع الكبار بل على الاطفال والمراهقين، لأنهم ينفردون بصفتين: تقليد الفنانين النجوم، وأخذهم فكرة ان الواقع الاجتماعي هو هكذا( أشرار وأخيار، اذكياء وأغبياء، شطّار وغشمه..) وان على الطفل او المراهق ان يكون شريرا وذكيا وشاطرا ليعيش والا فإنه سيكون مغفلا وفاشلا واضحوكة للآخرين.

ولأننا لا توجد لدينا ثقافة منع طفالنا من مشاهدة برامج تؤثر سلبا في تشكيل شخصياتهم بعد أن اصبح التلفزيون (الأب الثالث) للطفل ، فان مهمة الاسرة تكون اما بعدم مشاهدة برامج المقالب التلفزيونية المسيئة عن قناعة، واما مشاهدتها مصحوبة بثقافة تحصن الاطفال عما يسيء الى شخصياتهم..مع ان رامز جلال لن تروه في رمضان القادم ..لا تحت الثلج ولا فوق الجبال..لأنه استنفد كل حيله..الا اذا استوردت (MBC ) او وجدت له فكرة جديدة كفيلة بسد نفقات برنامج تكفي لإطعام آلاف الفقراء واكساء آلاف الأطفال سيتحسرون على ثوب جديد في العيد.