رواية التركي أورهان باموق بماذا يتكلَّم الأحمر؟

577

سريعة سليم حديد /

انطلق عنوان الرواية لينصبَّ على أحد أهم الألوان التي كانت تستخدم في فن النقش في (تبريز, هرات, اسطنبول..) والذي يتمُّ تحضيره من الديدان الهنديَّة والأعشاب.. بطريقة يدويَّة متقنة, ليكون سيِّد الألوان عند الرسام نفسه.

أية لغة يمكن للَّون الأحمر أن ينسجها على اللوحات, وأية دلالات جمالية يعكسها في النفوس؟!

الروائي التركي (أورهان باموق) في روايته (اسمي أحمر) يرصد فن النقش, ويعكس الأجواء العامة التي يعيشها النقَّاشون في ظلِّ معاناتهم الطويلة من ظلم النظرة للنقَّاس باعتبار هذا الفن تطاولاً على مبدع الخلق الله سبحانه وتعالى, فجاءت الأحداث باسترسال طويل عابرة نفوس أولئك النقَّاشين ملقية الضوء على طبيعة فنِّهم الرائع.

حالة

(اسمي أحمر) انطلق عنوان الرواية لينصبَّ على أحد أهم الألوان التي كانت تستخدم في فن النقش في (تبريز, هرات, اسطنبول..) والذي يتمُّ تحضيره من الديدان الهنديَّة والأعشاب.. بطريقة يدويَّة متقنة, ليكون سيِّد الألوان عند الرسام نفسه, خاصة أنه اللون الذي يجول أمام عينيه بشكل كبير, وهو يبدع على ضوء الشمعدان.

ـ الأحمر لون لحالة ما عاشها زوج الخالة لحظة تعرُّضه للقتل: (هوى بالحقَّة البرونزيَّة على رأسي مرَّة أحرى, صار عقلي ورؤيتي وذكرياتي وعيني هي مخاوفي, تداخلت فيما بينها, لم أكن أرى أي لون, وأدركت أن الألوان كلها غدت أحمر, اعتقدت أن دمي حبر أحمر, وما اعتقدته حبراً أحمر في يده هو دمي المتدفِّق دون توقُّف.) ص254

اللون الأحمر يبرز في الكثير من تفاصيل الرواية: السيف الموضوع على مخمل أحمر, جنود الحامية بألبستهم الحمراء, القفطان الأحمر, الهواء الأحمر, السيف الأحمر, الجسد المغطَّى بقماش أحمر, السجاد الأحمر, ذيل الحصان الأحمر, لون غرفة الخزينة الحمراء…
أوَّل ما يلفت النظر هي العناوين: أنا شكورة.. اسمي قرة.. أنا ميِّت.. ينادونني زيتوناً… اسمي إستر..

المونولوج

يأتي الخطاب الفردي لكل شخصيَّة على حدة, في عدَّة صفحات تتقارب حتى في الطول. الشخصيَّة تعرِّف بنفسها ثم تقصُّ ما يجري معها من أحداث, لتعود مرَّة ثانية لتظهر في صفحات جديدة, بعدما تترك المجال لظهور شخصيات أخرى مواكبة لسيرورة الحدث الذي يربط جميع الشخصيات في حبل واحد متماسك.

كيف يتحدَّث الميِّت, وأي شعور يترجمه, وهو يواجه القاتل, هذا المونولوج الداخلي يرصد الحالة المتصاعدة لكل شخصيَّة عند تعرُّضها لحدث ما, يعكس هذا فنيَّة السرد بلغة شفيفة عالية, كما يعكس الإحساس المرهف الذي يتعامل به (باموق) مع اللغة:

( الآن أنا ميِّت, جثَّة في قعر جب, مضى كثير من الوقت على لفظ نفسي الأخير, وتوقَّف قلبي منذ زمن طويل , ولكن لا أحد يعرف ما جرى لي غير قاتلي السافل..) ص7

تأتي أهميَّة الرواية من كونها تضع القارئ أمام شكوك كثيرة, فكلما تحدَّث أحدهم عن نفسه, شكَّ القارئ بأن المتحدِّث هو القاتل, ولكن, عندما تتقدَّم الأحداث يتبدد ذلك الشك, لكنَّه لا يلبث أن يعود مرَّة أخرى, حيث يقدِّم الكاتب عدداً من الإشارات التي تدلُّ على القاتل, وتفضح أفكاره.

اربعة مواقف

ـ من أساليب السرد المتبَّعة توجيه الخطاب للمتلقي بشكل مستمرِّ عبر أحداث الرواية, وهي حالة ما جاءت على ما يبدو لتبرير الأخطاء أو لتصويب الفهم, أو للتذكير بالنفس.. (شكورة) تحاول تنويم طفليها بسرد الحكايات الخياليَّة:

(أنتم تعرفون أن الكلمات في الليل تركِّب أجنحة.) ص269

ـ أي ولع تعكسه الرواية بحب فن النقش؟! أهو ولع بالجمال بحد ذاته, أم وله النقَّاشين أنفسهم, أم عشق كاتب الرواية الذي نقش كلماتها بمثل هذا الجمال, حتى ليحسبه المتلقي أنه أحد فناني النقش الكبار بلا منازع, وإلا ما برع في توصيف الحالات الإبداعيَّة إلى هذا الحد. فقد سارت الأحداث ضمن حالة مميَّزة عبر فن النقش الذي غدا بمثابة الحلم المواكب لكل حدث, قال (قرَّة):

(أما أنا فقد جمعت مغامراتنا طوال اليوم في أربعة مواقف, ونقشتها, ورسمتها على صفحات عقلي.) ص 289

إن الوله بحب النقش على صفحات العقل لا بدَّ من أن يجعل كل شيء يتحرَّك جمالاً, ويمسي موضوعاً مميَّزاً للنقش, فعين النقَّاش ترسم الآن بدقَّة متناهية:
(شعرة طويلة من شعر حسنائي شكورة فوق المخدَّة رسمت حرفاً قال لي : “واو”..) ص 326

ـ يظهر تسامي فن النقش إلى درجة كبيرة في حديث الحصان, من هنا يبرز سرُّ العداوة لفن النقش, وما يعانيه الفنانون الكبار أمام المجتمع الجاهل:

(لماذا يرسمنا النقَّاشون من ذاكرتهم؟ على الرغم من أن كل حصان منا خرج من يد المصوِّر الأعظم الله جلَّ جلاله بشكل يختلف عن الآخر, لماذا يتفاخرون برسم آلاف وعشرات آلاف الخيول من ذاكرتهم دون النظر إلينا؟ لأنهم لا يريدون رسم ما يرونه بعيونهم, بل يحاولون رسم العالم الذي يراه الله… والمدعي أن أفضل رسم لحصان هو ذلك الذي يرسمه النقاشون العميان, هو الذي يتسابق مع الله, ويرتكب معصية الخروج عن الدين؟) ص323

ـ أية فكرة سوداويَّة تعكسها الرواية أمام حالة كانت سائدة لدى الناس, فالنقَّاش الأستاذ لكي يثبت جدارته في فن النقش يجب أن يصاب بالعمى ليرسم من خلال ذاكرته المبدعة, ومن لا يصاب بالعمى, فهو نقَّاش غير جدير بالاحترام, ما يضطر العديد من النقَّاسين إلى إعماء أنفسهم بالمخرز.

ـ إن خطى الرواية كانت تسير متأنِّية عبر تراسل الزمن غير القافز فجأة بالأحداث, كان هذا على امتداد صفحات الرواية, ولكن التقافز يظهر جليَّاً في الصفحات الأخيرة التي بعنوان (شكورة)، فقد تنامت الأحداث بسرعة, فانتهت في السطر الأخير بتحذير من الكاتب نفسه, الذي أعطى طفل (شكورة) اسمه, ليقول:

(احذروا من تصديق (أورهان) لأنه ليس ثمة كذبة لا يقدم عليها لتكون حكايته جميلة, ونصدِّقها.) ص605

رواية: (اسمي أحمر) أورهان باموق

المترجم: عبد القادر عبد اللي

من رواياته: (جودت بيك وأولاده) و (الكتاب الأسود) و (الحياة المديدة)..