زهير كريم: كتبتُ في السرد ما عجزتُ عنه في الشعر

248

حوار: علي السومري – تصوير: صباح الامارة /

شاعرٌ وقاص وروائي، ولد في بغداد العام 1965، غادر العراق في تسعينيات القرن الماضي واستقر في بلجيكا منذ العام 2002، ويعمل هناك في مؤسسة ثقافية اجتماعية. أصدر أربع روايات: (قلب اللقلق)، و(صائد الجثث) بطبعتين، و(غيوم شمالية شرقية)، و(خيوط الزعفران)، وثلاث مجموعات قصصية: (ماكنة كبيرة تدهس المارة)، و(فرقة العازفين الحزانى)، و(رومانتيكا).
فاز كتابه في أدب الرحلات (أغاني الرمل والمانجو) بجائزة ناجي الساعاتي في بغداد، شارك بأنطلوجيات سردية وبلغات مختلفة، وترجمت نصوصه إلى اللغات الإنكليزية والفرنسية والهولندية والإسبانية. إنه زهير كريم.. الكاتب والروائي، وهذا الحوار…
* في قصصك، وثقت جحيم السنوات التي عاشها العراقيون زمن النظام البائد، هل هي محاولة منك لأرشفة ذلك الرعب؟
-لا أعتقد أن الأمر يتعلق بتوثيق الرعب، أو التقاط صورة قاسية لعرضها، لا يتعلق الأمر بالتذكير، ولا بتقديم مرافعة إدانة، بل بالمنطقة الأعمق في داخلي، بتجربتي الشخصية، بالغيمة الثقيلة التي تتحرك في ذاكرتي، والتي رافقتني طوال سنوات إقامتي خارج البلاد. الكتابة عن مرحلة ما هي إلا محاولة لكي أرى، ولكي أفهم ما جرى بالضبط، طريقة لتحليل الوقائع، وأيضاً محاولة لتفتيت غيمة الرعب والكشف عما تخبئه فعلاً، فنحن في الحلبة لا نرى بوضوح، دعني أقول إن الجمهور يستطيع أن يفحص المشهد بشكل أوضح، الجمهور الذي يقف على مسافة، ومن خلال منظوره يستطيع فحص الحلبة والمصارعين، يفحص الإشارات والانفعالات، حسناً، أعتقد أن علينا الابتعاد قليلاً عن الحدث لكي نرى أفضل، لهذا جاءت نصوصي التي تتعلق بفترة الحكم الشمولي مثل قراءة أخرى، ليست بالضرورة دقيقة، لكنها نظرة على الماضي، من أجل الفهم وليس من أجل الإدانة، لأن الإدانة لا تحمل تصورات نقدية مهمة، أما الفهم فهو الطريقة الصحيحة لكي نتجنب مستقبلاً الأخطاء، ولكي نتخلص من تجربة الرعب.
مغامرة
*أنت شاعر وقاص وروائي، كيف ساعدك الشعر في كتابتك للسرد؟
-لم أكن أتخيل نفسي قريباً من أي شكل في الكتابة غير الشعر، بل كنت أشعر بالرعب عندما أفكر بالسرد، فخلال ثلاثين عاماً -وما زلت- أكتب الشعر، إنه تميمتي أينما ذهبت. لكن دخولي حقل السرد كان مغامرة وضرورة، الضرورة تتعلق بمادة كبيرة لدي، تجربة شخصية لم أكن قادراً على كتابتها شعراً، أما المغامرة فكانت قراراً لا بديل له، لهذا كتبت روايتي الأولى (قلب اللقلق) التي صدرت عن دار فضاءات الأردنية 2010، ولم أتخيل، حتى عندما أنجزتها، بل ولم يخطر في بالي أن تظهر في كتاب، شجعني بعض الأصدقاء، وفي داخلي شعور بالسخرية، أو عدم التصديق في أن هذا الشيء الذي كتبته سوف يظهر في كتاب. ما أردت قوله هنا، إن تجربة الكتابة السردية، حالة الرعب التي كانت تواجهني، تحولت -فيما بعد- إلى ينبوع تسرّبت مادته إلى كتابتي للشعر، اختلطت به وتغيرت رؤيتي، أصبح النص الشعري الذي أكتبه مختلفاً، فقد امتزج الشعري بالسردي، ولم أجد غرابة في هذا المزيج، لقد أحببت نصي الشعري بعد ذلك، بدأت أفهم أكثر، السرد ساعدني في خلق صورة جديدة للشعر، ساعدني كذلك على أن أحب النص الذي أكتبه، النص الذي بدأ حجمه يصغر، حتى أني أجد نفسي أحياناً أكتب جملتين، لا أدري إن كان التصور الجديد، القادم من مزيج الشعر بالسرد، قد جعلني أميل إلى التكثيف، أم أن رؤيتي للشعر تغيرت، لكني في النهاية أجد أن دخولي عالم السرد قد أضاف لي شعرياً.
*لكَ رأي تقول فيه -ما معناه- إنك ستكون مخلصاً للقصة، لا لسواها، لماذا؟
-لا يتعلق مفهوم الإخلاص هنا بتصور مثالي، أخلاقي، كتبت ثلاث روايات قبل أن اكتب القصة القصيرة، كانت نصاً طويلاً عنوانه (جنازة آخر المحاربين)، ظهرت فيما بعد في مجموعتي القصصية الأولى (ماكنة كبيرة تدهس المارة)، التي صدرت عن دار المتوسط 2017، حينها أثارتني جملة لصديق، في البداية اعتبرتها تهكماً، شعرت بالضيق، قال: “إن حقل الاشتغال الذي يناسبك هو القصة.” أقلقتني هذه الجملة، واكتشفت -فيما بعد- أن القصة هي التي تعبر عن شخصيتي أكثر، عن تركيبتي النفسية، وعن تصوراتي، نعم، سأكون مخلصاً للقصة على اساس هذا التصور، إنها تعبر بالفعل عني، أجد فيها ذاتي، لكني مازلت أكتب الرواية، وأكتب أدب الأطفال، وأكتب أشكالاً أخرى، غير أن القصة فيها حرية تتعلق بحركتها داخل مساحة واسعة من التجريب، التقنيات والأفكار، القصة هي التعبير الواضح عن حركة الزمن داخل تجاربنا، القصة خاطفة وغامضة وشعرية ومؤثرة، وهكذا هي حياتنا، لا أعتقد أنها خط واحد متصل، بل مجموعة حوادث، مترابطة او منفصلة، لكننا نجمعها في النهاية في سيرة واحدة.
*لم تختر الكتابة في أدب الرحلات عبثاً، ما الرسالة التي أردت إيصالها إلى القارئ؟
-لم أكتب في أدب الرحلات بنيّة توثيق حكاية شخصية، أو تقديم نص غرائبي عن جغرافيا مختلفة، ولا كان بودي أن أقدم نصاً أنثروبولوجيا عن عادات لبشر آخرين، بل حاولت أن أكتب نصاً أدبياً، أحقق فيه بعض الجماليات التي تتعلق بتقديم حكاية، وهذه الحكاية بحثت من خلالها عن قارئ يشاركني التجربة باعتبارها نزهة عاطفية، ومفردة نزهة هنا لم أحدد فيها الجانب السعيد، الذي يشتمل على مسرات، بل هي رحلة فيها كل شيء، أردت أن أقول إن كل رحلة لنا هي إضافة تمنحنا المزيد من المعرفة عن العالم، كل رحلة تعضد تصوراتنا عن المحيط، وتقدم لنا ما يجعلنا أكثر فهماً لوجودنا، أدب الرحلة بالنسبة لي هو رحلة للمعرفة أحاول أن أشارك الآخرين فيها، القراء، إنها تجربة عاطفية لما تحمله من الهم الشخصي.
فرصة عظيمة
*هل عانيت من مشكلة التواصل مع جمهورك، وهل اختلف الأمر بعد انتشار مواقع التواصل الاجتماعي اليوم؟
– أولاً أنا أتحفظ على مفردة جمهور، هناك أصدقاء وقراء هم شركاء في إنتاج النص، وطبيعي أن الانفتاح على العالم حقق سهولة التواصل، ومنح النص فرصة عظيمة للوصول إلى الشركاء بسرعة وسهولة، وبالطريقة التي تجعل التفاعل مباشراً، لقد منحتني وسائل التواصل_ أنا شخصياً_ فرصة للتعرف والتفاعل مع آلاف الأصدقاء، نعم هناك مساوئ في المنصات الافتراضية، وهذا طبيعي، الأفكار تحمل في داخلها مفهوم الضد، وهذا الأمر له علاقة بالفرد نفسه، لكن هذه المنصات في النهاية، منحت المنجز الأدبي حرية كبيرة في الحركة، حققت الشراكة المباشرة، والتفاعل، نعم أنا أدين لمنصات التواصل الاجتماعي في أن يصل ما أكتبه إلى الأصدقاء القراء الشركاء.
* هل تسهم معارض الكتب وحفلات التوقيع بترويج منجزكم الإبداعي، أم أنها تحولت إلى كرنفالات ثقافية فقط؟
-فكرة معارض الكتب تشتمل على كل هذا: الترويج، والاحتفال، والاحتفاء، أذكر في مقابلة تلفزيونية أيام معرض الشارقة، قبل سنتين، شاهدت أطفال المدارس، آلافاً من الصبيان والصبيات يزورون معرض الشارقة كل يوم، كان المشهد مفرحاً، القرب من الكتاب حتى لو كان بنية الاحتفال، أو كونه كرنفالاً هو شيء رائع، في فعالية (أنا عراقي أنا اقرأ) الأخيرة، قال لي صديق عن هؤلاء الذين يتزاحمون على الكتب، إنهم لا يقرأٔون، بل يأخذون الكتب لأنها مجانية، قلت لا بأس، حتى لو افترضنا ذلك، فإن اقتناء الكتاب بحد ذاته شيء جيد، لابد وأن تحصل الفرصة لهذا الذي لا يقرأ، أن يفتح كتاباً.
* ما جديد زهير كريم؟
سوف تصدر لي كتب عدة خلال السنة المقبلة: قصة، رواية، أدب فتيان، وعندي مشاريع أخرى، كتاب أدب رحلات مازلت اشتغل عليه، وكتاب كوميكس.