ساحة لعبة التناص وكرة التلاص بين السرقات والتأثير والاقتباس

290

خضير الزيدي /

منذ أن نبهتنا جوليا كرستيفيا عام 1966 حول مفهوم التناص Intertextuality)) حتى هذه اللحظة، وجميع من يتناول النقد الأدبي ومعترك الدخول إلى آليات المنهج البنيوي، يذهب لذكر هذا المفهوم، فقد بينت أن غالب النصوص تتشكل وكأنها قطعة موزاييك، وقد وافقها الرأي فيما بعد رولان بارت بأن جعل النص نسيجاً من عدة اقتباسات حاملاً لمراجع متنوعة ولكن هل ما يذهب إليه رولان بارت وجوليا كرستيفيا، يبرر للآخرين أن ينسجوا نصوصهم ويفتعلوا عروضهم المسرحية وينجزوا لوحات الرسم تحت هيمنة هذا المفهوم حتى وان كانت لغة اللعب والتأثير والاقتباس بشكلها الواضح والدال على الفضيحة؟

توارد خواطر الإنسانية والشعر

بما إننا نتحدث عن مفهوم التناص وفاعليته بحدود ما توضحه جوليا كرستيفيا بدروسها النقدية، إلا أن وقائع النصوص وتداخلها واللعب في شرك السرقات والتأثير والاقتباس يشير إلى أن الأمر سابق لما وضحته هذه الناقدة التي تحمل الجنسية الفرنسية وهي من أصول بلغارية، فشواهد التراث العربي والشعر والفنون تكشف عن وجه مختلف وإخفاء يكاد يطيح بصاحبه لأن ممارسة سرقة النص واللوحة والاقتباس المتعمد من دون الإشارة تجاوزت المعقول.

لنحصر هذا السلوك تحت مسمى (التناص)، أتذكر وأنا أكتب هنا ما قرأته ذات يوم من شعر لأبي تمام والقائل بشطره (لا أنت …أنت ولا الديار.ديار ) وبقى هذا الشطر الذي أحبه يهيمن على ذاكرتي وما ان تطورت القراءة لديّ ولدى الكثير من محبي الشعر الغربي حتى وجدنا ما يقارب هذا الشطر لشاعر اسباني معروف طالما شغلنا بطاقته الشعرية ذلك الشاعر هو لوركا والذي كتب ذات يوم هذا المقطع: (والآن ..لا أنا أنا ولا البيت بيتي) فهل تشابهت مصائر الإنسانية بين شاعرين من الشرق والغرب أم تواردت خواطرهما فأنتجا صورة الشعر وأثرا في قرائهما؟ المؤكد للجميع أسبقية البحتري في الشعر على لوركا، أما شواهد اليوم فهي الأصعب وطأة إذ علينا وعلى قراء محمود درويش، هذا الشاعر الذي أثارت لغته وموجته الشعرية تأثيراً في أجيال متلاحقة وبات صوتاً مدوياً فيناً، وبقينا نردد عبارته المشهورة (على هذه الأرض، سيدة الأرض ما يستحق الحياة) لغة عذبة لا غرابة أن تأتي من قاموسه الثري، ولكن المفاجأة التي تدهشنا بأننا وجدنا هذه العبارة الشعرية في ديوان نيتشه الصادر ضمن منشورات دار الجمل عام 2009، تحت عنوان «أغنية للشرب»، (على هذه الأرض ما يستحق الحياة: يوم واحد قضيته مع زرادشت علمني أن أحب الأرض) فهل هي من توارد خواطر درويش أم هي من التأثير والتناص؟

النفري واقتباسات أدونيس

لا يوجد شاعر معاصر أثار ضجة في الاقتباسات والتأثير بالنص الصوفي مثلما حدث مع أدونيس مع أن الأخير اوجد علاقة بين السوريالية والصوفية وحاول أن يجمع بينهما في التنظير لمدخل نصوصه المثيرة للإعجاب لكن وقائع ما يكتبه من نصوص تثير الشك وتفتح أبواب التأويل على مصراعيه، فينكشف غطاء الشاعر السوري وتبدو الصورة واضحة للعيان فنجد تأثيراته بشكلها المخيف والمدهش حينما يقتبس من المتصوفة، فهل كانت تلك النصوص إعادة لفهم التراث ومحاكاته أم تأثيرا دخل إليه من باب التناص فأصبح فيما بعد متجاوزا لحدوده وآليات اشتغاله لينتهي عند مفهوم التلاص (plagiarism ) وهذا ما نجده في هذه الأمثلة التي تخص نصوصه:

تجتمع حولي أيام السنة

أجعلها بيوتاً وأسرّة وأدخل كل سرير وبيت

أجمع بين القمر والشمس

وتقوم ساعة الحب

أنغمس في النهر يخرج منك إلى أرض ثانية أسمع كلاماً يصير جنائن وأحجاراً أمواجاً أمواجاً

وزهراً سماوي الشوك.

من ديوانه (تحولات العاشق)

أما مرجعية هذا النص فقد نبهنا إليها الكثير من النقاد أمثال الشاعر عادل عبد الله وكاظم جهاد وآخرين، ممن تناولوا ظاهر أدونيس واقتباساته من المتصوفة، فأرجعوها إلى قول النفري: ”قد جاء وقتي وآن لي أن أكشف عن وجهي.. فإني سوف أطلع، وتجتمع حولي النجوم، وأجمع بين الشمس والقمر، وأدخل في كل بيت، ويسلِّمون عليَّ وأسلِّم عليهم، وذلك لأن لي المشيئة، وبإذني تقوم الساعة، وأنا العزيز الحكيم“.

وشواهد التقارب الشعري والنثري بين ادونيس والنفري لا تتوقف عند حد معين فقد قرأنا ما يعزز الرأي القائل بأن شاعرنا ادونيس اقتبس ما يحلو له من حدائق النفري فبانت لنا روائحها الصوفية في زمن يخلو من صفاء القلب ونقاء المحبة وتأمل الله فلقد دون لنا النفري في كتابه المواقف والمخاطبات وقال: يا نور انقبض وانبسط وانطوِ وانتشر واخف واظهر ورأيت حقيقة لا أقبضُ وحقيقة يا نور انقبض. وعزز هذا القول النثري صاحبا ادونيس بلغته الشعرية “وقلت أيها الجسد انقبض وانبسط واظهر واختف، فانقبض وانبسط وظهر واختفى. وإذا كان لادونيس الحق في العودة للتراث العربي وخاصة ما تعلق في منجز المتصوفة ولغتهم النثرية فهل لشواهد الأيام من الحق أن يدون في كتابه الصوفية والسريالية المختلف والمؤتلف (الحب شرب بلا ري ومن قال رويت منه ما عرفه فكلما شرب المحب من الحب ازداد عطشا إليه) بينما تخبرنا وقائع فيروز وحياتها في كتاب يتناول سيرتها وفنها بأنها وصفت الحرية بعبارتها الشهيرة (الحرية مثل المياه المالحة كلما شربت منها عطشت أكثر) هذه الشواهد التي نذكرها طبعا لا تتوقف مع النص الشعري فلدينا أمثلة تتجاوز حدود عرض النصوص المسرحية ورؤيتها في الإخراج والتصميم إضافة للفن التشكيلي وخاصة معالم الرسم وما خلفه قصور وعي البعض من الفنانين في سرقة اللوحات وتزويرها والتأثير بأسلوبية الآخرين.