سياحة حقيقية في الحياة العامة لمدينة السياب

166

ياسر جاسم قاسم /

كتاب البصرة في قصص وتقارير صحافية والصادر عن دار الفيحاء /2021 للصحافي ماجد البريكان يقع الكتاب في 200 صفحة من القطع الوزيري، ويقسم الكتاب إلى أربعة أبواب: المكان في البصرة والظواهر والأقليات والشخصيات ثم التجارة والاقتصاد وأخيراً التنوع الاحيائي.
يجمع الكتاب بين دفتيه قصصاً وتحقيقات وتقارير كما وصفها ماجد البريكان قائلا: “تسبر أغوار الحياة العامة في المدينة لتعيد اكتشاف أماكن وظواهر وحالات، وتذكّر بأحداث محلية فارقة ـ وتلامس إنسانيا عادات وطبائع البصريين وتطل على البيئة والطبيعة من نافذة الحديث عن أنواع من الحيوانات والنباتات ذات الخصوصية المحلية”.
خوض في كنه المدينة
الكتاب يعد بحق سياحة حقيقية في هذه المدينة الغنية بتأريخها وتنوعها وطبيعتها وبيئتها وثقافتها، إنها ليست مجرد تحقيقات صحافية بقدر ما هي وصف وخوض في كنه المدينة بأسلوب تشويقي بعيد عن الفذلكات اللغوية والحشو واللامعنى، كان للتاريخ حضوره ولكن ليس الحضور المهيمن لأجل التباكي على الأطلال ولا “الاحتفاء بالماضي وإضفاء التبجيل عليه فإمعان النظر في الماضي لن يجعل الحاضر أفضل، لا سيما أن الماضي فيه ما فيه من متاهات شائكة ودهاليز حالكة العتمة” على حد تعبير ماجد البريكان في مقدمة الكتاب.
إذن هو يريد أن يؤكد عبر كتابه المتضمن هذه التحقيقات على أهمية المدينة، التي لا تموت ولن تموت، ويسلط الضوء على ما تضمنته عبر العصور . وأنت تقرأ الكتاب تستحضر قضايا وأفكاراً وشخصيات وأماكن تناساها الزمن عن قصد او بدونه كما وينبه ماجد البريكان على قضايا يكاد الكثير من الناس لا يعرفها عن البصرة ذات التنوع الثر والمغري، كما ينبه على المظلومية التي وقعت بها نتيجة عقود من الاهمال المتعمد.
لعنة النفط
فـ”البصرة تستورد التمور بعد أن كانت تصدرها إلى اوروبا واميركا”، هذا كمثال على معاناة حاضرة، كذلك يستعرض أثر لعنة النفط على المدينة الغنية به”، فالصناعة النفطية تحجم الانشطة الزراعية في البصرة” وفي المدينة “جزر مقفلة وسواحل بلا سياحة” وينبه إلى قضية لطالما شغلت الكثير، فيقول: “من المفارقات أن معظم العراقيين لم يرتادوا سواحل بلدهم المطلة على الخليج، ولم يستمتعوا بنزهات بحرية في المياه الإقليمية، فالعراق هو البلد الوحيد في المنطقة الذي لم يستغل سواحله وجزره في مشاريع سياحية وترفيهية”، فالبصرة فيها ساحل ممتد على الخليج العربي مظلم تماما، يتساءل ماجد البريكان عن سبب الاغراق في الظلام وعدم استغلاله للترفيه وعدم الاستمتاع بسواحل الخليج، كما يتناول الجزر المهملة على امتداد شط العرب التي يبلغ عددها 24 جزيرة .
إنَّها ليست مجرد تحقيقات صحافية، تنتهي بانتهاء الحدث كما هي عادة أكثر التحقيقات، لكنّها محاور نقاش ثقافية فكرية، اجتماعية، اقتصادية، بيئية، حول المدينة وعبر تاريخها الطويل ومستقبلها الممتد، مرورا بحاضرها المؤلم، لذلك لا تنتهي تقارير ماجد البريكان في هذا الكتاب بمجرد نشرها والاطلاع عليها، بل هي رسائل باقية ببقاء البصرة لأنَّها تتحدث عن مواضيع تتعلق بها، مواضيع أبدية، ترسم البصرة في قصص وتقارير صحافية كما أسماها.
قبح الحاضر
إن موضوع الكتاب شاغر كثير في بابه، فلم يتم تناول البصرة ضمن هذه الرؤية حسب اطلاعي، لذلك أراه متقدما كثيرا وهو يذكّر بجمال ماضي المدينة وبقبح حاضرها، مطالبا برسم مستقبل آخر لها عبر مشاريع التطوير والتغيير من الواقع، وهكذا تتجول في أتون الكتاب وتستحضر مع ماجد: العشار وأم البروم وجبل سنام وشجرة آدم والارث البصري المعماري المهدد بالزوال/ بيوت الشناشيل والباصات الخشبية والالغام والقذائف التي خلفتها الحروب التي تحصد أرواح البصريين. كما ستعيش مع مسيحيي البصرة وهجرتهم المتواصلة رغم التعايش السلمي الذي اختطته المدينة عبر تاريخها والمندائيون ويهود البصرة وآخر مصور شمسي تناساه الزمان وأحد رجالات البصرة المضحين في سبيل العراق “صباح العيداني”.
أما ملح البصرة ونهر خوزها وتمورها ونفطها وسياحتها وموانئها فهي آيقونات تعود بالنفع على حاضرها ومستقبلها مع إهمال شديد يطالها.
التنوع الجيني
وأخيرا فالتحقيقات التي تحدثت عن التنوع الاحيائي الكبير في المدينة، لأنها تجمع ما بين البحر والنهر، فالبصريون هم الوحيدون في العراق من تجمع على مائدتهم أطعمة البحر والنهر، فهم يأكلون السمك النهري والبحري بأنواعه لا سيما الصبور وهذا التنوع الكبير في غذائهم من المؤكد أنه انعكس على شخصياتهم وسبب في اختلافهم عن غيرهم، فالعلم يقول إن الغذاء سبب رئيس في التنوع الجيني .
إن الكتاب الذي نحن بصدده يعدّ بحق وثيقة بصرية تدعو وتؤكد أهمية البصرة في ماضيها وحاضرها ومستقبلها وأنه ليس مجرد تحقيقات بسيطة كتبت لأجل الصحافة بل إنّها تحقيقات كتبت لأجل توثيق قضايا تخص البصرة وتشير إلى أهميتها وتسبر عمقها عبر رحلة الاستاذ ماجد مع مهنة الصحافة التي بدأها في سن التاسعة عشرة، إذ عمل خلالها “مراسلا ومحررا ومسؤولا في العديد من الصحف الاخبارية والقنوات الفضائية والاذاعات الدولية والمحلية” لقد رصد الكتاب “مفارقات وتناقضات، فالبصرة مدينة الثراء الفاحش والفقر المدقع، القصور الفارهة وبيوت الصفيح، الفيضانات والجفاف، المد والجزر، العذوبة والملوحة” كما قرّرها ماجد في كتابه الذي نادى من خلاله أن تكون البصرة في القمة قوية وبهية، فالبصرة كانت وتبقى مفتاح رفعة ونهضة العراق.