صيادون تجار يسرقون رفيف الطيور من سمائنا

336

  طالب عبد العزيز/

بيديّ هاتين، أكملتُ بناء بيت الأرانب أمس، استعنت ببعض الأولاد والأحفاد في مسك الخشبة هذه، وتثبيت الركيزة تلك، فقام بناءٌ، واستوى مَعْلمٌ. هو جحر من الخشب والسلك المشبّك والمثبّت بالمسامير، أنا نجّار قبل أكثر من أربعين سنة، تعلمت ذلك، في القاعدة البحرية بالجبيلة، حيث أخذني ضابط تجنيد أبي الخصيب الى هناك، ذات يوم ، كنت أصلح للجيش زوارق الطوربيد التي استقدمها عبد الكريم قاسم من روسيا، وبرفق من يخشى على حفنة من الشعر واللحم والعظام الطرية أخذت الأرنبين، الذكر والأنثى.

الذكر أبيضُ محلّى بالبنّي والأنثى بيضاء، بل مُطْلقة البياض، ولما كان المساء مطراً وأوراقاً تسّاقط نديّة، خمطت لهما عشاءَهما، مما اخضرَّ وتبللَ ورقَّ. أوراق لفت وعيدان حلفاء للدفء وحندقوقاً يخرُّ الحليبُ من سيقانه الباردات.
الآن، صار بمقدوري جلب أكثر من زوجين اثنين، رفقاء لهذين الوحيدين، فالفسحة تتسع والتراب هشٌّ رطبٌ، لعمل الكثير من الجحور. عالم مَخْمل والله، هذا الذي أنشاته أمس. فأنا، أُسْعَد لمرأى الحيوانات الأليفة، أحبّها، وهي تزقزق وتثغو وتغرّد وترغو وتصوّت، لكنني حزين الآن، حزين، لأنني أفتقد الكثير مما كنت أشاهده حولي من كائنات. إذ، لم تعد الحيّات تخيفني وهي تمرق مسرعة من بين السعف، ومنذ سنوات لم أر قنفذاً، يا لشكله، الذي كلما رأيته، تذكرت قصيدة سعدي يوسف (القنفذ)، أما البلابل فقد اختفت، لا أعرف ما إذا كان صنّاع الأقفاص ما زالوا يحسنون صنعها من الجريد، أم أنَّ السوق ارتضت بأقفاص الأسلاك المستوردة من بلاد التنين الأصفر، لقد اختفت مخلوقات كثيرة من حولنا، غادرت بلاد الماء والنخل والعنب والبطيخ، غيّرت وجهتها. أقول لروحي التي تنوء وتنأى بما مضى: أتعلمين ما الوحشة فتجيبني: الوحشة، ألا تسمع ما يعندلُ ويزقزقُ ويموءُ ويقوقئُ ويحمحمُ ويخورُ ويضبحُ ويثُؤجُ.

صار باعة البلابل يحملون أقفاصهم الصياديّة، ذات البابين -سريٌّ ومعلن- الى شواطئ السيبة وسيحان والشاهينية وأمّ الجبابي، الى القرى التي هجرها أهلها بسبب العوز والموت والحرب مع إيران، هناك، في الأرض المقابلة لعبادان والحَد والمحمرة، حيث ما زالت الأرض خضراء بعد، تربّى البلابل والفواخت والخنازير الوحشية، هم يفتحون أبواب أقفاصهم بين ما ظلَّ من نخل وطرْفة وغرَب، ثم يغطّون رؤوسهم بأكياس الخيش والجنفاص، في إيهام وتخفٍ، فيما البلابل المسكينة تدخلها طمعا في شِقِّ تمرة او حبّة حمص، ثم تنطبق عليها الأبواب، في فعل لصوصي حقير- لكم أكره هؤلاء الصيادين- أي فعل للتجارة القذرة هذا؟ هؤلاء يسرقون الرفيف من سمائنا، ويلجمون الحناجر العذبة في أقفاصهم، هم شتّتوا الأفق الجميل الذي كان أزرق وردياً.

تخطّفت العاصفة التي عبثت بالنخل أمس، أجنحة القُمْرية، الفاختة غير المُطوّقة، التي بنت عشها قريباً من الزجاج، في كتيبة باب غرفة النوم، كنت أترك الحَبَّ وكسر الخبز اليابس لها بين قضبان الحديد وضلفة الشبّاك، فلا تطير بعيداً، هي تعلم أنني آنس بها من وحشة، وأستعيدها جارة وجيرة بعد فقد الجيران- أنا بلا جيران الآن- مفردٌ في ما تبقى من نخل الأهل، هل أقول: عوى الذئبُ فاستأنست بالذئب إذ عوى …، لا ، لن أكمل مخافة تقوّل البعض. بحثت في الخيش، أسفل الشباك فلم أجد لها بيضاً تكسر، فالوقت ما زال مبكراً لتبيض، هو عشها القديم، ربما. يقول أبي، في حكاية تشبه حكايات كليلة ودمنة، أنهم سألوا أبا الزعر، وهو طائر صغير الحجم، اختفى ايضاً، كثيرا ما كنتُ أشاهده نطّاطاً بين عيدان الشموط والخرّوب وفي متاشبك اللوبياء أحياناً: لماذا تبيض بيضة واحدة، فيما الطيور تبيض الاثنيتن والثلاث والأربع؟ فكان يرد: ما أنا بطائر، أنا حكاية في الريح مكسوٌّ بالزغب.