ظلال الأدب العالمي في المنجز السردي العربي

63

دعد ديب /

ما من نتاج فكري، أو أدبي، ينمو بشكل منفصل أو أحادي، وقل أن ينجو من آثار مبدعين ومفكرين أوائل ورواد سبقوه في التطرق لنص، أو فكرة، أو مشهد، أو تصور ما يقارب، أو يشابه، أو يمت بصلة أو رابطة، لما يقدمونه أو يبدعون فيه في وقت لاحق. الأمر الذي يتموج بين التأثر إلى الاقتباس، أو التناص، أو الاستعارة، أو نسج على نسج. درج ذلك في معارضة القصائد الشهيرة والمعلقات في الشكل والمضمون حسب رؤية كل شاعر وأسلوبه.
نفس الموضوع يشمل الأعمال الروائية، وهو الأمر الذي ازداد انتشاراً في زمننا الحالي، فنلاحظ ذلك التأثر والمشابهة والنسج في نصوص سردية عربية على غرار أعمال عالمية أخذت شأواً كبيراً في زمن ما، ونالت حظها من الانتشار والشهرة، ولاسيما ما عرف منها بكلاسيكيات الأدب الغربي، الأمر الذي يضع هذه المثاقفة موضوعاً للتأمل والبحث عن أوجه التلاقي والاختلاف بين الأصل والظل.
نماذج للمقارنة
نحاول هنا رصد ذلك في ثلاثة نماذج جرى اختيارها وهي: “لوليتا” فلاديمير نابوكوف، مع “أصابع لوليتا” لواسيني الأعرج، و”دون كيشوت” لميغيل دي ثربانتس، مع “هنا الوردة” لأمجد ناصر، و”فرنكشتاين” ماري شيلي مع “فرنكشتاين في بغداد” لأحمد سعداوي.
لا يغيب عن البال أن هذا التناص، أو المشابهة مع الأدب العالمي، تتوارى فيهما استعارة الأضواء من الأصل، تلك التي لمعت إبان صدورها. فالمفارقة التي وضعها الأميركي من أصل روسي “فلاديمير ناباكوف” في نصه “لوليتا” الصادر عام 1955، العمل الذي تم تجسيده في المسرح والسينما، رغم الرفض والضجة اللذين أثيرا حوله حينها، نظرا لحالة التعلق المرضي لرجل في خمسينيات عمره بمراهقة يافعة، والهوس الذي شغله بتفاصيلها وتكوينها، والأحابيل التي اختلقها كي يبقيها إلى جواره، مستغلاً طفولتها وبراءتها وعدم وجود معيل لها سواه، ونشاز البعد الأخلاقي لهذا الفعل، ما جعلنا نرجع أسبابه ونحلل ما وراء السلوك غير الطبيعي إلى الذاكرة البعيدة التي استقرت في أعماقه، حيث ارتبط لاوعيه بعشقه الأول لفتاة بهذا العمر من أيام شبابه، الذي بقي يلح عليه ويحرك أعماقه رغم تقدمه في السن. هذه الفكرة لم يقابلها تعلق مماثل في رواية واسيني الأعرج “أصابع لوليتا” الصادرة عام 2014عن دار الآداب للنشر والتوزيع ببيروت. فقد حرص صاحب “طوق الياسمين” أن تكون لوليتا بطلته أكبر عمراً من نظيرتها لدى نابوكوف، وهي إلى ذلك متعلقة الإحساس ببطل العمل، أي الكاتب المشهور ذي التجربة الأدبية العريضة رغم فارق العمر بينهما، ما يرضي النرجسية الذكورية. فهي إذن حالة عشقية متوازنة، وعلى الرغم من كونها صبية في مقتبل العمر، لكنها مثقفة وقارئة نهمة لروايات البطل الكاتب. وبالتالي فإن العلاقة خالية من الاستغلالين: العاطفي والجنسي، حتى وإن كانت غير مرغوب بها في العام. وهذا القبول من الطرفين أفقد الأمر صفة الغرابة وعدم الانسجام اللذين رأيناهما عند لوليتا ناباكوف، الرواية التي أشعلت الرأي العام ضدها بين مؤيد ومعارض.
أما اشتغال الأردني أمجد ناصر في روايته “هنا الوردة”، الصادرة عن دار الآداب لعام 2017على التوازي مع رائعة ميغيل ثربانتس “دون كيشوت”، المعروفة عالمياً باسم “دون كيخوته”، كان الاشتغال بنسج مغاير وبصورة غير مباشرة، وإن حمل العمل معنى مقارباً في بعض نواحيه، فبطله، الذي يحمل رواية ثربانتس ويتأبطها في رواحه ومجيئه، تحمل قصته معنى مضمراً في تشابه الأحوال التي تعترض حركته في رحلة النفي عن موطنه بعد تاريخ من مقارعة السلطات الملكية الحاكمة وفق نمط الثوري الكلاسيكي في العمل السياسي السري وطموح التغيير الذي ساد في زمن ما، الذي ينحدر مصيره ليكون مآله في عالم اليوم؛ عالم القوة المتغولة والعارية؛ إلى السقوط والفشل، ويغلب يقينه في قرارة نفسه بأنه مهزوم لا محالة في خضم ذلك التيار الذي يجرفه. مع ذلك يستمر في طريقه بمقارعة طواحين الهواء كفكرة برع ثربانتس في دون كيشوت بتخليد رمزيتها. لكن صاحب “حيث لا تسقط الأمطار” ترك لنا الألم الممض نتيجة انعدام فسحة الأمل عند بطله وجسده الواقف على تخوم البلاد مشطوراً بين روحه الموجوعة التي تنزع إلى الرجوع لموطنه، وجسده الذي يحاول الهروب منه، بينما يستمر ميغيل ثربانتس في وصلنا بخيط السخرية الذي يشغل مساحة العمل كله، الذي امتد حتى وصل الى عصرنا الحالي. لذا كانت استعارة ناصر مضمرة ورمزية ومخالفة لا تعمد التطابق إلا في تعالق المعنى بعبثية النضال في هذا الزمن الذي اختلطت معاييره وخصومه وأدواته.
فرنكشتاين في بغداد
أما أحمد سعداوي في روايته “فرنكشتاين في بغداد”، التي حازت على جائزة البوكر للرواية العربية لعام 2014، فقد استعار من رواية “فرنكشتاين” لماري شيلي عنوانها وزاد عليه بمحلية التسمية في المكان الذي يقصده، فكانت “فرنكشتاين في بغداد”، ذلك الكائن المسخ المشوّه الذي تشكل من تجميع أشلاء الضحايا، ومسببات هذا التشوه الإنساني تخلق كائناً مشوهاً، شكلاً ومضموناً، يتغذى وينمو على جثث الضحايا كي يستمر بالحياة. وهنا المفارقة، إذ أن الضحية تطلب المزيد من الضحايا، وهذا المخلوق يرتد على من صنعوه بالمزيد من القتل والموت، بمحاكاة فكرة شيلي، إذ أن ذلك المخلوق يرتد بالانتقام والانتهاك والأذية على خالقه ذاته وعلى من أوجده، مطارداً إياه بلا هوادة حتى يؤرق مضجعه ويشل وجوده. وفيما كانت شيلي تشير –بقصديتها- إلى تورية محنة من يتجرأ على محاكاة الإله بفعل الخلق، فإن سعداوي يصرح بما لا يدعو للشك أن من تسببوا بخلق جحافل الضحايا من دول وأنظمة سترتد عليهم، وسيتمرد المخلوق على من أوجدوه بذات العنف والدموية المرعبة، فالعنف يولد العنف والجريمة تقود إلى جرائم أخرى.
التلاقح الثقافي
لعل في هذا الاقتراب من الآداب العالمية سعي لإيصال همومنا ومشكلات واقعنا إلى العالم بمحاكاة أعماله، أو اقتباس فكرتها، أو النسج على منوالها، ولكل أسلوبه طبعاً. أو ربما هو نوع من التناص وفق رأي رولان بارت “ما من نص أصيل بالمطلق”، إذ ما من كلام إلا ويبنى على كلام سابق له، وما من حكاية إلا وتظهر آثارها في من سبقها، شفاهية كانت أم تدوينية، كنوع من التبادل والتلاقح الثقافي بين الأمم، فنصوص ألف ليلة وليلة مازالت الآداب الأجنبية تستقي منها وتنهل من روافدها لغاية الزمن الحاضر، ولا أحد يغفل عن استفادة دانتي أليغييري في ملحمته “الكوميديا الإلهية” من “رسالة الغفران” لأبي العلاء المعري، إذ أن الذاكرة الإنسانية تحتفظ في جعبتها بإرث الشعوب مجتمعة، والكل ينهل من ينبوعها الثري المستمر والدفاق.