عشوائيات الجوائز الأدبية وصناعة الأوهام الثقافية

348

علي حسن الفواز/

حديث الجوائز الأدبية يثير لغطا واسعا، وجدلاً له مرجعيات مختلفة، ورغم أن الكثير من (اللاغطين) حولها يركضون الى امتيازاتها الإعلامية والمادية، فإن الموضوع برمته يثير شيئا من (الشبهات) ويضع الحُكْم على خيار الجائزة ولجان تحكيمها مريبا، وفي سياق مصالح وحسابات كثيرا ماتدخل في تهويمات وإتهامات (نظرية المؤامرة).
مبرر هذه التوطئة يتعلق بالحديث الساخن الذي نسمعه الآن بعد إعلان القائمة الطويلة من جائزة البوكر للرواية العربية، والتي أثارت حولها حديثا طويلا عن (حُسِن النوايا وسوئها) وعن بعض العشوائيات التي ترافق الجوائز الأدبية العربية، فضلا عن الخيارات التي تُحدد أطرها وتوصيفات الفائزين فيها، وعن المرجعيات الفنية والنقدية التي يتم في ضوئها اختيار اللجان التحكيمية، وهل وراء ذلك حساسيات أو نوايا!! وبرغم أن هذه الجائزة هي جائزة دور نشر، وأن امتياز الفوز فيها سيعود بالمنفعة التجارية لهذه الدار أوتلك، إلاّ أنها ايضا هي جائزة إبداع، لأن الفائز فيها سيكون نجما!! وستلاحقه العدسات مثل أي (بطل) ثقافي أو رياضي أو فائز مسابقات ملوك الجمال!! وهذا مايجعل إعلان القائمة الطويلة لجائزة البوكر خاضعا لحسابات خاصة، بعضها لايتعلق بالقيمة الثقافية، وأكثرها صار خاضعا لتوصيفات ومحاصصات مناطقية مثيرة للجدل..
شخصيا قد لا أضع نفسي في موضع من يطلق الشكوك، لكني أتساءل مع المتسائلين عن الجانب النقدي في اللجان التحكيمية، وربما غيابهم، والميل الى شخصيات تعمل في مجال (الدراسات النقدية الاكاديمية) وهو أمر خلافي يحتاج الى قراءة وتفسير ومراجعة.
كما أني أتساءل أيضا عن هوس البعض بأهمية (الكسب) بوصفه حظًوةً، أو امتيازا، وبخلافه فإن هذه الجائزة أو تلك ستكون موضع شك وطعن في مصداقيتها، وكأن خيار هذا البعض في المشاركة مُلزِم للآخرين بالفوز! أو أن خيار الُمحكمين سيكون خاضعا لأجندات سياسية أو غيرها، أو أن هناك أفقا لمنافسة- غير ثقافية- لها حساباتها بين جهات باتت حريصة فجأة على صناعة الجوائز وعلى البذخ في أعطياتها..
هذا التصور أثارني أيضا وأنا أتذكر موضوعاً قديما تحدّث صاحبه عن علاقة الشرف الثقافي بالجوائز الثقافية والعالمية بشكل خاص، فهل أن الجانب المادي أو الرمزي- فقط – هو ما يحفّز الكثيرين على قبولها بقطع النظر عن التضحيات؟ ولماذا رفض البعض قبولها، والاعتذار للجهات المعنية عن التمتع بحقوقها المادية والرمزية الباذخة؟
وإذا كنّا قد سمعنا بأن (برنارد شو قد اعتذر عن الجائزة؛ لأنها تأخرت عن موعدها، وسارتر اعتذر عن قبولها إحتجاجاً على غياب العدالة والحرب الأميركية ضد فيتنام، تماماً كما رفض مارلون براندو جائزة الأوسكار دفاعاً عن الشرف القليل الباقي في عصرنا)، فأننا أيضاً نحتاج إلى وضع مفهوم الجائزة في سياقه الثقافي أولاً، وفي سياقه الاجتماعي والإنساني ثانيا… إذ يكون الاعتذار هنا تعبيراً عن الإحساس باختلال التوازن مابين الثقافي والإنساني..
ما أحسبه في هذا السياق يكمن في طبيعة موقف المثقف ذاته، وفي جدية تعاطيه مع مشروعه الثقافي، وامتلائه به وعياً ورؤية، وأن هذا الوعي سيكون هو الحاكم في ترسيم حدود هذا المشروع أو غيره، وأن الجائزة الثقافية – مهما كانت- لا تشكّل سوى إستحقاق وإضافة له في حال أنها أعطته شعوراً بأنه يملك بهاء الصانع الجمالي والمعرفي، وأن رسالته الثقافية لا تقل شأناً عن رسالة السياسي والواعظ والفقيه وعالم الاجتماع وكاتب السيرة، برغم أن البعض يضع الجائزة في سياق من الحسابات السياسية أو العلاقات العامة، وحتى في سياق نفسي مُشبع بالنرجسية، والتي يعاني من غلوائها الكثير من المثقفين، رغم أنها لا تعني بالضرورة الإعتداد بالنفس والثقة بالمشروع الثقافي..
صناعة الأوهام الثقافية تشبه صناعة الجوائز، وأن المشاعر العالية في قبول الجائزة أو رفضها تعني- في الكثير من خياراتها- احتراماً للنفس، وليس صناعة ترميمية للنرجسيات المرضية، تلك التي تزيد الضآلة، وتسهم في التشويش على تعميق معاني الشرف الثقافي، إذ يكون هذا الشرف – هنا- هو الالتزام والمسؤولية، وهو الصدق والوعي واحترام الذات والآخرين. وهذا ما أجده جوهراً عميقاً في رفض الأدباء الكبار للجوائز، لانهم يجدون أن هذه الجوائز وتوقيتاتها ومرجعياتها ستقلل من شأن الشرف بوصفه التزاماً وموقفاً، وهو ماورد في الحديث عن رفض جان بول سارتر وبرنارد شو لجائزة نوبل، وكذلك رفض مارلون برناردو لجائزة الأوسكار الكبرى، لأنه وجد فيها نوعا من الاستعراض البرجوازي، والتناقض مع مع قيم يحترمها للشرف الأخلاقي والقيمي والإنساني الذي ظل يجاهر به في الكثير من أفلامه ومواقفه…
البعض من المثقفين من الروائيين، والشباب منهم بنحو خاص، يتوهمون أن الكارزما الثقافية لا تعني لهم سوى تضخيم الذات وليس إشباعها، مثلما تتصور قلة منهم أن هذه الكارزما تعني تصميماً خاصا لشخصية الكاتب، وضخها بجرعات مفرطة من السلوك اللغوي، والسلوك الوهمي، على مستوى استعادةٍ لاوعيةٍ لرمزيات تأريخية وثقافية محددة، تشكّل لهم عقدة في الاكتمال، فضلاً عن نزوع البعض منهم لتجاوز ماهو استحقاق ثقافي حقيقي لصالح ماهو استعراضي لايدخل إلاّ في إطار التهويل والتضخيم، وتحويل المنافسة الثقافية الى مايشبه الصراع على أوهام مجدٍ لايأتي في أوانه، أو ضمن سياقاته التي تفترض الخبرة والتجربة وماهو راكز في القيم الثقافية، ولعل أخطر ما في الأمر أن تتحول هذه الجوائز الى مايشبه الفخاخ، والتي تضع صاحبها أمام رهانات من الصعب تجاوزها، على مستوى القدرة في الإضافة والتميّز، أوعلى مستوى تجديد أدوات الاشتغال في الحقل الثقافي الذي فاز بجائزته.
وإذا قلنا أن البعض من المثقفين من الكتّاب العرب لم يحصلوا على الجوائز الكبرى رغم أهميتهم، فأن ذلك لم يُغيّر شيئا من أمجادهم الشخصية، ونسب قرّاء كتبهم، مثلما لا يعني تقليلاً من شأنهم في قياسات مؤسسات الجوائز ولجان تحكيمها، لأنهم- برغم هذا الحرمان الجوائزي- ظلوا يملكون الكثير من البهاء الثقافي في حضورهم، وفي منجزهم، وعبر أطروحاتهم ومواقفهم وأسئلتهم التي تلامس دائما الكثير من أسئلتنا الوجودية، وتشفّ عن مسؤولية ثقافية عميقة ونامية، مثلما ظلوا يملكون ماهو متوهج وساطع في توصيفات الشرف الثقافي..