عن التمرّد في عوالم جان جينيه

548

حربي محسن عبدالله/

إنها رحلة مع عالم جان جينيه الذي سمح لنفسه بالثورة، فحمل نزق الثوار ومشاغباتهم واعتراضاتهم. ووقف إلى جانب الحق الفلسطيني وناصر قضايا الزنوج واقترب من عالمهم. وكانت تربطه علاقات صداقة مع منظمة الفهود السود. وخرج على التقاليد الأوروبية والمفاهيم الجامدة وتنقل بين الخروج على القانون وحفلات البذخ النادرة التي كان يسمح بها لنفسه (حين كان يحلّ في فنادق من الدرجة الأولى).

غرفة الشاعر وسجنه

فيما عدا ذلك، فإن حجرة الشاعر كانت صغيرة جداً وبلا أمتعة. لا تضم سوى سرير وكرسيين، وطاولة للكتابة، ومنفضة دائمة الامتلاء بأعقاب سكائر هولندية، وحقيبة صغيرة وصولجان أصبح جينيه يسير متكئاً عليه بشيء من الغنج ويتفادى المرور بالأحياء التي يعرفه بها الآخرون. جينيه الطفل الذي تخلّت عنه أمه الفقيرة وهجرته وهو في الأسبوع الثلاثين، والذي تبنته عائلة في مقاطعة “مورفان”، والصبي اللص السجين في اصلاحية “ميتري” بين الخامسة عشرة والسابعة عشرة والنصف، والمتشرد والفار من الجيش، الذي أصبح كاتباً مشهوراً ولم يتوقف عن السرقة.

هذه الرحلة يأخذنا إليها الكتاب الصادر عن دار كنعان في دمشق بعنوان “رحلة في عوالم جان جينيه.. أسمح لنفسي بالثورة”، ترجمة علي شاكر العبادي عن الألمانية. والكتاب عبارة عن نص مسرحي “تحت المراقبة” وقراءة في بعض نصوص جينيه المسرحية لفيرنر كليس، إضافة إلى حوار معه أجراه “هوبرت فخته”، وفي الختام ثمة شهادة من صاحب رواية “الخبز الحافي” الكاتب المغربي محمد شكري.

كاتب إشكالي موهوب

يقول المترجم في مقدمته “إن الكتاب ليس دفاعاً عن جان جينيه، وإن كان دفاعاً فليس بالشيء المشين أن يدافع المرء عن كاتب إشكالي موهوب بحجم جينيه، ولكنه استعراض بسيط لما جاء به جينيه وقراءة سريعة لأفكاره. وفيما كتب بعض النقاد عنه -القسم الثاني من الكتاب- وما طرح هو من أفكار في رؤيته للمسرح -القسم الأول- وأيضاً كيفية جدله في رفض الأفكار وتقبَلها كما في محاوراته مع هوبرت فخته -القسم الثالث-“. يقول المترجم في مقدمته: “جان جينيه صرّة مشدودة لبعضها البعض إما أن تقبلها أو ترفضها بالكامل، فلا يمكن أن نجزّئها أجزاءً نأخذ منها ما نريد ونترك ما لا نريد. لا، فالمسألة لا تحتمل الاختيار. وما يتعلق بنا نحن العرب، أن جان جنيه قد فهمنا وأحبنا، وقف معنا في أحلك الظروف، ناصر قضايانا، يوم تخلى عنا الكثيرون”. فقد كتب جان جينيه “أربع ساعات في شاتيلا” وهي عبارة عن معايشته مخيمات صبرا وشاتيلا بعد المجزرة التي حدثت هناك اثناء الاجتياح الإسرائيلي لبيروت في ثمانينات القرن الماضي. وكتب “الأسير العاشق”، وهي عبارة عن رواية مذكرات عن تجربته في أحداث أيلول في المخيمات الفلسطينية في الأردن عام 1970.

بالصدفة أصبحت كاتباً

يقول جان جينيه، في حواره مع فخته، إنه وبالصدفة أصبح كاتباً من خلال كتابة إحدى بطاقات أعياد الميلاد لصديقته الألمانية، لكن المترجم لا يرى أن الأمر على هذه الصورة ويؤكد: “ليس من الممكن أن يكون المرء كاتباً بالصدفة وإنما يحتاج إلى تراكم وجدل في الذات والحس والعقل حتى يكون أديباً، ونتيجة لذلك التراكم والجدل يُنتج لنا العمل – النص، فعملية صقل الكاتب للوصول إلى النجاح لابد ان تمرّ بمخاضات عدة تأتي متتالية يصوغ جرّاءها الكاتب وعيه. ولقد استغل جينيه ذلك التراكم والخبرة الحياتية غير العادية التي عاشها والجدل في زمن كانت تتوالد فيه الأفكار والفلسفات مدراراً، وقد خدمه الحظ أنه ولد في ذلك الزمن بينما خانه في مواقف كثيرة من الحياة، ولعل أكثر ما خدم جان جينيه وصفّاه وصقله هي مرآته في “لا”ءاته، وكان قد نما وترعرع في داخله من خلال ذلك شيطان لم يكن يريده أو يحبه، وقد كبر ذلك الشيطان من خلال تغذية الآخر له، لقد انتمى جان جينيه إلى”لا”ءاته حتى أننا نستطيع القول بأن جينيه هو عبارة عن رد فعل رافض لكل من ساهم في جعل ذلك الشيطان يكبر في داخله”. هنا نجد المترجم علي شاكر العبادي وقد تحول إلى قارئ بعين نقدية لما يترجم، فحياة جينيه القاسية المتقلبة، وفي الأخص في فترة الصبا والشباب، جعلت منه متمرداً رافضاً يلبس زي الثوار ويُعجب بما يقومون به، ويأخذ مفهموم الثورة عنده بُعداً وجودياً يؤكد به ذاته عبر لاءاته. فمفهوم الثورة عنده يقترب من مفهوم الرفض، فنستطيع تسمية ثورته بأنها رغبة في التغيير ورغبة عنيفة في الرفض، وهو مفهوم يختلف عن مفهوم الثورة المتعارف عليه، فثورته هي الجانب الرومانسي في الثورة، لكن الثورة كفعل كامل تحتوي على جوانب أخرى غير الرومانسية، تلك الجوانب التي لا تستطيع ثورة ما الاستغناء عنها لأنها نتائج حتمية للفعل وهي ما رفضها جينيه.

ذئبان يتصارعان

أتذكر هنا حواراً في سيناريو بين شخصين عن الحب والكراهية ينتهي بقول أحدهم: “هناك ذئبان يتصارعان في قلب الانسان، ذئب الحب وذئب الكراهية، فيسأله الآخر أيهما سينتصر فيجيبه: منْ تطعمه أكثر هو من ينتصر في النهاية”. وهكذا انتصر لدى جينيه الجانب الرومانسي للثورة… يقدم لنا فيرنر كليس قراءة في بعض أعمال جان جينيه المسرحية. وفيرنر هو كاتب وناقد ألماني ومالك لشركة انتاج تلفزيوني- سينمائي، ولد عام 1939 في شتوسناو وهي مدينة كانت تابعة لألمانيا وهي الآن تابعة لبولندا ومازال يعيش في برلين. يشير فيرنر في قراءته إلى كيفية تعامل جينيه مع الحقائق الملموسة وذلك باستخدام شواهده الشخصية، كما في كتاب “يوميات لص”. يتناول فيرنر في قراءته الأعمال التالية: “النص والزمن، تحت المراقبة، الخادمات، الشرفة، الزنوج، جدران في كل مكان”. ثم نصل بعد ذلك إلى حوار هربرت فخته مع جان جينيه، الذي جاء تحت عنوان “أسمح لنفسي بالثورة” وهو مايستغرق الجزء الأخير من الكتاب.