عن مظفر النواب.. التنقيب في ذاكرة الأهوار

261

استراليا – حسن ناصر/

لنبدأ من مقارنة ربما تبدو غريبةً، لكن دونما شك لها ما يبررها. ما الذي يمكن أن يجمع بين الآثاري الكبير طه باقر والشاعر الراحل مظفر النواب؟أعتقد صادقاً أنهما يجتمعان في كشف أرثٍ ما كان له أن يرى النور لولا حسهما الرهيف ونفاذ بصيرتيهما.
أعاد باقر اكتشاف الأدب العراقي القديم وقدّمه لنا بطريقة عجز عنها القادمون من ثقافات أخرى. ذلك لأنه كان الأقدر على استشفاف الأواصر الخفية بين الماضي والحاضر، وبذلك (أرّض) ملحمة گلگامش بإعادتها إلى أرض الرافدين من سحاب العصور المندثرة وغموض بدايات التاريخ، مستعيناً بفهمه العميق للملحمة ولغتها ووشائجها الدفينة تحت طبقات الزمن. لم يكن طه باقر يحفر في الأرض بحثاً عن بقايا حضارة قديمة، كما فعل ويفعل أركيولوجيون من قبله ومن بعده، بل كان يوغل بمسباره عبر حجب الزمان متفحّصاً ما نجا منها ليظلَّ نابضاً في الحاضر.
حفر الراحل مظفر النواب في الأرض يوماً، كان هذا يوم حفر السجناء السياسيون نفقاً للهروب من سجن الحلّة. لكن حفره الأهم كان في الأهوار التي شهد مرحلة مهمة من تاريخها. حفر أنفاقه عميقاً ليستكشف لغة وثقافة سكانها اليومية واستعارتهم الطبيعة في التعبير عن مشاعرهم، مجازاتهم المدهشة، والمعقّدة أيضاً، التي تستثمر البيئة بظواهرها وكائناتها. كانت استعاراته وصوره الشعرية غالباً ما تبدو محيّرة وصعبة. هل كان يقول (يا ثلج اللي ما وجيت) أو (يا تل جل وما جيت)؟ هل كان يريد أن يقول (مثل خيط السمچ روحي) أو (مثل خيط السما جروحي)؟
هذا ما أذكره من بعض الأسئلة التي تداولها الناس يوم غُنيّت تلك القصائد في النصف الثاني من القرن العشرين. كان لا بد من عارف ببيئة الأهوار للإجابة على تلك الأسئلة.
كيف يمكن لرجلٍ من أهل المدينة عاش في الأهوار لسنوات معدودات أن يفهم تلك اللغة الشعرية المعقدة وينظم قصائد مدهشة فيها وكأنه سليل أجيال من الشعراء المنسيين الذي غنّوا ورددوا قصائد ضاع صداها في مياه تمتد مع الآفاق وبين آكام القصب والبردي؟ هذا سؤال محيّر أتمنى أن أجد جواباً له.
النوّاب فارس شاعر وشاعر مقاتل. يوم شتم الحكام العرب حقق ما أراده الجواهري العظيم “أغري الوليد بشتمهم والحاجبا”. نعم، هو من فعل ذلك فترددت أصداء صوته من المحيط إلى الخليج. تلك واحدة من فضائل النواب التي لابد من الإشارة إليها. يستطيع القارئ أن يشير إلى أسماء شعراء امتلأت المكتبات ورؤوس المراهقين بغزلياتهم تحولوا بعد شهرة شتائم مظفر إلى القصيدة السياسية ليشتموا الحكام على طريقته.
طلب مني الشاعر السعودي الراحل عبد الله باهيثم، بداية التسعينيات، أن أزوده بنسخة من ديوان “للريل و حمد”. فوجئت بالطلب، فقلت له “وما الذي يمكن أن تفهم من ديوان أجد أنا الذي ولدت وعشت قريباً من الأهوار صعوبة في فهمه وحل شفراته؟” أجاب الراحل “لا عليك سأكون قادراً على فهم مظفر حتماً”. حصلت على الديوان بمشقة وأعرته لصديقي ليستنسخه. بعد أيام كان باهيثم يترنّم أمامي بلكنته السعودية “أيام المزبن گضن تگضن يا أيام اللف” و “ميلن لا تنگطن كحل فوگ الدم”. شعرت برعشة تسري في أطرافي وأنا أسمع في ذلك صدى أجيال من شعراء منسيين مخروا مياه الهور بقواربهم الصغيرة والفضاء بشدوهم الرخيم في عزلة تمكن مظفر النوّاب من كسرها ليكون برزخاً يتيح لأصواتهم النفاذ إلى آفاق لا تحد.