عيسى حسن الياسري: شاعر الكلمة الحرة

712

قحطان جاسم جواد/

اختار الغربة في كندا, وابتعد عن جرحه النازف العراق. الغربة جعلته يئن كثيراً وهو الذي يقول عن نفسه أنه شاعر الكلمة الحرة. طفلنا من مواليد 1942. وكأيّ من أبناء الفلاحين الذين يذهبون لمدرسة القرية بثياب ممزقة الأذيال وأقدام حافية. عالم القرية الجميل وتوجيهات والده حببتا إليه حفظ الشعر ومن ثمّ كتابته. درس في المدرسة الدراجية الريفية القريبة من قريته على نهر أبو ابشوت في محافظة ميسان.

أكمل دراسته الابتدائية في ناحية الكميت والمتوسطة ودار المعلمين في العمارة.

أيام الحصار كتب العرائض أمام محكمة الأعظمية لستّ سنوات, حتى لا يتاجر بكلمته في بلده الذي أعطاه أجمل سنوات العمر بين التدريس والإذاعة والصحافة الأدبية، وكي يحمي كلمته من الانحناء ومدح الحاكمين، وكان بإمكانه لو فعل هذا لعاش مرفهاً، علماً بأنّ صديقه لطيف نصيف جاسم مدير الإذاعة والتلفزيون حينها كان قد رشحه للسلك الدبلوماسي فرفض، واضطر إلى مغادرة بلده عام 1998 فوصل إلى الأردن محطة الاغتراب الأولى وفي جيبه ثلاثون ديناراً أردنياً فقط.

شقة بائسة

انه الشاعر عيسى حسن الياسري صاحب الكلمة الحرة، استأجر شقة بائسة دفع ايجارها مقدماً، وتبقى معه 15 ديناراً وكان عليه أن يشد حجر المجاعة على بطنه حتى يجد فرصة للعمل وهولا يجيد مهنة غير الورقة والقلم. بعد أسبوعين لم يتبق معه سوى خمسة دنانير، لكنه صمم على البقاء حتى لو مات فوق أرصفة شوارع عمّان جوعاً، وقد أعانه الدكتور علي عباس علوان حين اتصل بسعد البزاز لمساعدته, فأرسل له البزاز مبلغاً قدره مائتا دينار أردني، وهو مبلغ إنقاذ بالنسبة له، وفتح أمامه صفحات جريدة الزمان، وخصص له مكافأة شهرية مقطوعة كتب أم لم يكتب قدرها مائة دينار.

المشاركة الاولى في المربد

في عام 2010 زار العراق وشارك في المربد للمرة الأولى بعد أن كان ممنوعاً من المشاركة فيه! والطريف أنه شاهد نفس الوجوه السابقة تتسيد المشهد الثقافي. ثم استقر به المقام في كندا, وحصل على جائزة الكلمة الحرة العالمية التي منحها له مهرجان الشعر العالمي عام 2002 في روتردام عاصمة الثقافة الهولندية.

ترجم له استاذه الكبير د. عبد الواحد محمد أكثر من مجموعة شعرية للانكليزية صدرت في بغداد وفي مونتريال وهي تترجم الآن للروسية والسويدية. ترجمت له مختارات شعرية للسويدية وصدرت في السويد. كما تترجم له الآن مجموعتان شعريتان للفرنسية بين تونس وباريس.

ظهر اسم الشاعر عيسى حسن الياسري في موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين, من إعداد الباحث الأستاذ حميد المطبعي، كما ظهر اسمه في عدد من الموسوعات العربية والعالمية.

صدر له أكثر من كتاب شعري في مغتربه الكنديّ، وقبل عضواً في اتحاد كتّاب كندا.

بالرغم من أن صحته ليست على مايرام إلا أنه مازال يرفد المشهد الشعريّ بالإبداع, فشاعر الكلمة الحرة كما يحلو له أن نناديه, استندت تجربته الشعرية إلى لبنات تعززت بناها بفعل عوامل عدة؛ منها نظرة الشاعر الإستثنائية لماهية الشعر ودوره في جدلية الحياة والوجود, وموقفه الفكري الواعي من متغيرات مجتمعه الملتهبة، وعبر عقود خلت من الممارسة الشعرية الخلاقة التي لم تنفصل يوماً عن فصول تجربته الحياتية المريرة، ومن خلال مسيرة تطور قصيدته التي تشي بأن ثمة لمسات جمالية متأتية من ثقافة شعرية عامة وواسعة وحساسية عالية أفضت إلى إبداع يشار له بالبنان على مستوى الشكل والمضمون.

لا احتراف في الشعر

شاعرنا يعاني من وضع صحي معين جعله يصاب منذ فترة ليست بالقصيرة بحالة أشبه بشلل في أطراف أنامله.

هو يعتقد أنه لا احتراف للشعر. فالشعر لم يكن أبداً مهنة وظيفية كبقية المهن الأخرى. الشاعر مهما ارتقى بإبداعه الشعري يبقى مبتدئاً وهاوياً. ثمّ أنّ الصنعة في الشعر هي إضعاف وقتل للعملية الشعرية برمتها

هذا هو الشاعر عيسى حسن الياسري وصورته المنشورة التقطها عام 1956 أثناء دراسته في الصفّ الأول المتوسط.